آثرت عنونة مقال “ما قّل و دّل” اليوم بعنوان “لولا الخيانة” التي تعرض لها بطبيعة الحال الأمير عبد القادر,الذي يعتبر أمير كل الجزائريين إلا من أبى و من أبى يعلم الخط و الطريق الذي اهتداه لنفسه.
فإبن منطقة القيطنة لا تزال دراسة مسيرته من خلال المخطوطات التي خلفها مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة,توحي بأن الرجل لم يحارب عفويا أو اعتباطيا مثلما يريد أن يوهمنا أعداء الداخل قبل الخارج.
و هنا استدرجتني مخطوطات لا تزال محفوظة تؤرخ للمراسلات ما بين الأمير عبد القادر و خليفته على منطقة القبائل الآغا أحمد بن سالم,و التي كانت قمة في الإحترافية العسكرية و ذات بصمة مخابراتية صارمة,و هو ما يوحي بالسطوة العسكرية التي كان يتمتع بها الجيش القادري,الذي لولا توالي خيانات ضعاف النفوس الذين أعمتهم العنجهية و حب الزعامة و أيضا الخيانة المخزنية الشهيرة لكان للتاريخ الأميري شأن آخر.
و للعودة إلى المراسلات العسكرية التي لا تزال محفوظة للأمانة التاريخية,فزمن تلك الرسائل يعود لبداية النكبات التي بدأ يتلقاها جيش الأمير عبد القادر في نواحي الغرب نظير الخيانات العديدة التي تعرض لها,حيث ظن الآغا بن سالم خليفته في منطقة القبائل أن أميره قد وقع له مكروه.
فتقول أول رسالة التي دوَّنها من جبال جرجرة حرفيّاً “إلى أمير المؤمنين،مُتعطِّشونَ إلى مكاتيبكم،ومن المعلوم أن ما تُسطِّره يدُكم الشريفةُ يُحيي النفوس منا والآمال،وقد أشاع المُرجِفُون ما لا نقدر على ذِكره، ودخل الشكُّ على الناس في وجودكم الشريف…”.
ثم يقول ابن سالم في رسالته “وقد بلغني أن الفرنسيين عازمون على الزحف إلى جبالنا،وبعد تقهقُر الأوضاع لم يعد لدي ثقة أكيدة بطاعة البعض وانقيادهم إلى كلمتي،وأُعلِمُكم أن الخليفة محمد البُركاني يخوض المعارك على مقربة منا،ومن الاستحالة نجدتي ونصرتي، وعلى كل حال فأنا أسألكم بالله تعالىٰ أن تَردُّوا لي الجوابَ بخطِّ يَدِكُم،انتهى …”.
عندها يجيبه الأمير عبد القادر بنص مقتضب “إني اطَّلعتُ على مكتوبكم، مُخبِراً بأن خبرَ موتي قد امتدَّ الى الشرق،فاعلَمْ أنَّ الموتَ لامَفرَّ منه ولا محيدَ عنه، إذ هو من قضاء الله، وإني أحمد الله إذ لم تأتِ ساعتي بعدُ، ولم يزل عندي من القوة والاقتدار ما أُؤمِّل به مهاجمةَ أعداء ديننا،فكن في راحة،ساكنَ البال صَبوراً،ومتى استقرَّ الأمرُ لنا هنا نتوجَّه إلى نواحيكم،انتهى …”.
ولما توالت الكوارثُ على المؤمنين حارت العقول،ويئس بعضُهم من اللقاء ببعضٍ،وقد ظهر ذلك في مكاتباتهم ورسائلهم،ومن ذلك أنَّ السيد قدور بن علال، الذي كان مع الأمير عبد القادر في الجهة الغربية، كتب إلى السيد أحمد بن سالم، وهو مقيم في جبال زواوة شرقاً “إلى السيد أحمد بن سالم،إن الخطوب ألمَّت بنا،والمصائب أنشبت أظفارها فينا،فلذلك انقطع أملي من اجتماع الشَّمل في الدنيا، إلا إنْ شاءه الله،والحقُّ تعالى يُظهِر العجائب والخوارق،انتهى…”.
فأجابه بن سالم…” أيها الأخ،إن الشدائد لا تَدوم، والليالي حبالى لا يُدرى ما تَلِدُ،وإني أسأل الله تعالى أن ينصر سلطانَنا الأمير عبد القادر،ويُؤمِّنَنا في أوطاننا،ويَرُدَّ علينا ما أخذ منا وأعطاه لعَدوِّنا،فكن أيُّها الأخ دائماً في كل حال ملتجئًا إلى الله تعالى، ولا تيأس،فإنَّني مُوقِنٌ باجتماعنا نحن الثلاثة،مع ما نحن عليه الآن مِن مُقاساةِ كَثرة الأعداء…”.
و من خلال نماذج هذه الرسائل التي كانت تنتهي بعبارة انتهى التي,استلهمها الأمير في رسائله قبل أن يتم سّنها عبر تقنية المورس,توحي بأن جيش الأمير عبد القادر كان يتمتع بقدر عالي من الإحترافية العسكرية,و كانت الرسائل تصل آمنة رغم كيد الكائدين,حيث كثُرت حينها الرسائلُ المُزيَّفة التي تُزعزع الثقة في الأمير،والتي عبثت بها أيدي المُخبِرِين والعُملاء للفرنسيين،لزرع البلبة وزعزة جيوشه المتفرّقة في كل البلاد.
لكن الأمير و خلفاؤه الذي تراسلوا باللغة العربية الفصحى و التي تصّحح مرة أخرى مجرى التاريخ الذي يراد تزييفه,عرفوا بالطرق المخابراتية على الطريقة الجزائرية التي ينبغي إعادة دراستها و إحياء أمجادها,كيف يمّررون رسائلهم حتى تصل للشخص المرسلة إليه رغم كل خيوط الخيانة التي نسجها الغادرون,و التي انطلت على مخابرات الفرنسيين التي لم ترتق حينها إلى عتبة الباربوزيين…و لا يزال للحديث عن مآثر الأمير عبد القادر و جيشه بقية.