تُعدّ مالي نموذجاً صارخاً للدولة الإفريقية التي عانت من عسكرة السياسة وفشل الانتقال الديمقراطي. فمنذ انقلاب عام 2012، تكرّرت الانقلابات العسكرية، ما أدخل البلاد في دوامة من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية.
أظهرت التجربة المالية أن الانقلابات العسكرية لا تُنقذ الدول من أزماتها، بل تزيدها هشاشة. فعوض بناء مؤسسات ديمقراطية قوية، لجأت النخب العسكرية إلى الحكم بالقوة، وهو ما أفرز أزمة ثقة عميقة بين الدولة والمجتمع، وخلق فراغاً سياسياً استغلّته التنظيمات الإرهابية والمصالح الأجنبية.
السياق التاريخي للعسكرة السياسية في مالي
منذ استقلال مالي سنة 1960، تعاقبت أنظمة عسكرية على الحكم، أبرزها نظام موسى تراوري (1968–1991)، ثم الانقلابات اللاحقة في 2012 و2020 و2021.
هذه الانقلابات لم تُبنَ على مشروع وطني جامع، بل كانت صراعاً على السلطة بين ضباط يسعون للحكم باسم “الإنقاذ الوطني”، دون امتلاك رؤية إصلاحية حقيقية. وبذلك تحوّل الجيش من مؤسسة لحماية الوطن إلى أداة لتقويض الشرعية الدستورية.
ممارسات الطغمة العسكرية وأثرها على الدولة والمجتمع
-
انعدام الشرعية السياسية: أدّت عسكرة الحكم إلى تهميش القوى المدنية وتجميد الأحزاب والنقابات، ما قضى على المشاركة السياسية.
-
سوء إدارة الموارد: استُخدمت موارد الدولة لخدمة الطبقة العسكرية، في حين تراجع الإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية.
-
قمع الحريات والإعلام: فرضت السلطة العسكرية رقابة صارمة على الصحافة والناشطين، ما عمّق عزلة النظام.
-
الفشل الأمني: رغم الشعارات الأمنية، توسعت الجماعات الجهادية وازدادت الهجمات المسلحة، حتى باتت العاصمة باماكو نفسها مهدَّدة.
-
الارتهان للخارج: لجأت السلطة إلى التحالف مع قوى أجنبية (خصوصاً الروسية) لتثبيت حكمها، وهو ما زاد من عزلة مالي عن محيطها الإقليمي والدولي.
النتائج والتداعيات
-
اقتصادياً: انهيار العملة الوطنية وارتفاع الأسعار بسبب الحصار والعقوبات الإقليمية.
-
اجتماعياً: موجات نزوح كبيرة وفقدان الخدمات الأساسية في مناطق واسعة.
-
سياسياً: غياب مؤسسات مدنية فاعلة واستمرار الحكم بقرارات فوقية.
-
إقليمياً: انتقال التوتر إلى دول الساحل المجاورة مثل النيجر وبوركينا فاسو.
تُظهر هذه النتائج أن الطغمة العسكرية لم تُحقق الأمن ولا الاستقرار، بل كانت العامل الرئيسي في تفاقم الأزمة الوطنية.
آفاق الحلول الممكنة
-
العودة إلى الحكم المدني عبر انتخابات شفافة تُعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.
-
إصلاح المؤسسة العسكرية لتكون تحت رقابة مدنية وتُعاد هيكلتها كمؤسسة مهنية لا سياسية.
-
مصالحة وطنية شاملة تجمع مكونات الشمال والجنوب على مشروع وطني جامع.
-
شراكات تنموية لا عسكرية مع الخارج، تُركّز على التعليم، الزراعة، والبنية التحتية بدل الارتزاق العسكري.
الخلاصة
إنّ ما أصاب مالي من فوضى وانهيار ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لهيمنة الطغمة العسكرية على القرار السياسي. فحين تُختزل الدولة في ضباط يعتقدون أن السلاح يمنحهم الشرعية، تُفقد الدولة توازنها وتتحول إلى كيان هشّ عاجز عن حماية شعبه أو تطوير اقتصاده. لن تخرج مالي من أزمتها إلا بفصل السياسة عن العسكر، وبناء مؤسسات مدنية قوية تُعيد الاعتبار للشرعية الشعبية.
المراجع
-
International Crisis Group, A Course Correction for Mali’s Transition, 2023.
-
United States Institute of Peace (USIP), Understanding Mali’s Coups, 2022.
-
Afrobarometer, Public Perceptions on Military Rule in Mali, 2021.
-
ECOWAS Reports on Mali Transition, 2023.