ما قل ودل

روج لنظرية المؤامرة…سيرج موناست بين الأسطورة والواقع

شارك المقال

يُقدَّم سيرج موناست في بعض المنصات بوصفه “الصحفي الذي سبق زمنه بثلاثين عامًا”، بينما تصنّفه أدبيات أخرى ضمن أبرز مروّجي نظريات المؤامرة في كندا خلال تسعينيات القرن الماضي. وبين هذين التصورين المتباينين تتشكل قصة مثيرة للجدل، تعكس تحولات أعمق في علاقة المجتمعات المعاصرة بالمعلومة والسلطة والثقة في المؤسسات.

من هو سيرج موناست؟

كان موناست صحفيًا كنديًا مستقلاً من مقاطعة كيبيك، عُرف بانتقاداته الحادة للنظام الدولي ومؤسساته. اشتهر خصوصًا بترويجه لما عُرف باسم “مشروع الشعاع الأزرق” (Blue Beam Project)، وهي نظرية تفترض وجود خطة سرية تقودها قوى عالمية لإحداث “وحي كوني مزيف” باستخدام التكنولوجيا المتقدمة، تمهيدًا لإقامة نظام عالمي موحّد.

في سياق تسعينيات القرن العشرين، انتشرت هذه الأفكار عبر منشورات ومحاضرات وأشرطة فيديو، مستفيدة من مناخ عالمي اتسم بنهاية الحرب الباردة، وصعود العولمة، وتنامي الشكوك في المؤسسات فوق الوطنية.

و يرى أنصار موناست أن ما طرحه من أفكار حول “التحكم عبر الأزمات”، و”تراجع سيادة الدول”، و”توجيه الرأي العام عبر الإعلام”، يجد اليوم صدى في نقاشات تتعلق بالأمن الصحي، التحولات الرقمية، والتغيرات المناخية.
غير أن المقاربة الأكاديمية تميز بين التحليل السياسي العام—الذي قد يصيب أو يخطئ—وبين الادعاء بوجود مخطط شامل سري يتحكم في كل مسارات التاريخ. فالنظريات التي تفترض وجود نخبة صغيرة تتحكم في العالم عبر سيناريو موحّد غالبًا ما تفتقر إلى الأدلة القابلة للتحقق، وتعتمد على الربط الانتقائي بين أحداث متباعدة.

“مشروع الشعاع الأزرق” في ميزان البحث العلمي

لا توجد أدلة موثوقة تثبت وجود مشروع عالمي سري بالمواصفات التي طرحها موناست. وقد تناولت دراسات علم الاجتماع السياسي ظاهرة نظريات المؤامرة بوصفها تعبيرًا عن أزمة ثقة في المؤسسات، لا بوصفها توصيفًا دقيقًا للواقع.
ففي أزمنة التحول السريع—سواء بسبب التكنولوجيا أو الأوبئة أو الأزمات الاقتصادية—يميل بعض الأفراد إلى البحث عن تفسيرات كلية تمنح الأحداث معنى متماسكًا، حتى وإن كانت تفتقر إلى التحقق التجريبي.

توفي موناست عام 1996 إثر أزمة قلبية عن عمر 51 عامًا، وفق ما أُعلن رسميًا آنذاك. وقد تزامنت وفاته مع نزاعات قانونية تتعلق بتعليم ابنته، ما غذّى روايات تعتبر موته “غامضًا”.
لكن لا تتوافر وثائق قضائية أو طبية تثبت وجود شبهة جنائية. ورغم تداول فرضيات تربط وفاته بكتاباته الأخيرة، تبقى هذه الطروحات في نطاق التكهن، لا الإثبات.

لماذا يعود اسمه اليوم؟

عودة الاهتمام بسيرج موناست ترتبط بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي أعادت إحياء أرشيفات فكرية كانت هامشية سابقًا. كما أن تصاعد الخطاب الشعبوي عالميًا عزز حضور سرديات تشكك في “النظام العالمي” وتبحث عن تفسيرات بديلة للأحداث الكبرى.

في عالم سريع الإيقاع، حيث تتدفق المعلومات بلا توقف، يصبح التفريق بين التحليل النقدي ونظرية المؤامرة تحديًا حقيقيًا. فالنقد المشروع للسلطة جزء أساسي من أي نظام ديمقراطي، لكنه يختلف عن افتراض وجود مخطط شامل لا يمكن دحضه.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram