قراءة في كتاب Archives - المقال https://elmakal.dz/category/قراءة-في-كتاب/ ما قل ودل Fri, 07 Nov 2025 18:37:20 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.9 https://elmakal.dz/wp-content/uploads/2021/09/elmakal_fav_icon-copie02-150x150.png قراءة في كتاب Archives - المقال https://elmakal.dz/category/قراءة-في-كتاب/ 32 32 قراءة في ديوان(ظلال لا تشبهني) للشاعرة والأكاديمية الجزائرية سعاد بسناسي…بقلم البروفيسورة السودانية هداية تاج الأصفياء https://elmakal.dz/2025/11/04/%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%af%d9%8a%d9%88%d8%a7%d9%86%d8%b8%d9%84%d8%a7%d9%84-%d9%84%d8%a7-%d8%aa%d8%b4%d8%a8%d9%87%d9%86%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1%d8%a9-%d9%88/ Tue, 04 Nov 2025 19:21:16 +0000 https://elmakal.dz/?p=27151 بقلم البروفيسورة السودانية هداية تاج الأصفياء في فضاء الشعر، ثمة أصوات لا تُسمع بالأذن بل تُحس بالقلب، وثمة نصوص لا تُقرأ مرة واحدة، بل تُعاش كما تُعاش التجارب الكبرى. من هذا النسيج، يطلّ ديوان “ظلال لا تشبهني” للبروفيسورة الجزائرية سعاد بسناسي، حاملاً نبضًا يختلط فيه الصفح بالحنين، والنور بالحضور الغائب، في لغةٍ تُشبه ضوء الفجر […]

The post قراءة في ديوان(ظلال لا تشبهني) للشاعرة والأكاديمية الجزائرية سعاد بسناسي…بقلم البروفيسورة السودانية هداية تاج الأصفياء appeared first on المقال.

]]>
بقلم البروفيسورة السودانية هداية تاج الأصفياء

في فضاء الشعر، ثمة أصوات لا تُسمع بالأذن بل تُحس بالقلب، وثمة نصوص لا تُقرأ مرة واحدة، بل تُعاش كما تُعاش التجارب الكبرى. من هذا النسيج، يطلّ ديوان “ظلال لا تشبهني” للبروفيسورة الجزائرية سعاد بسناسي، حاملاً نبضًا يختلط فيه الصفح بالحنين، والنور بالحضور الغائب، في لغةٍ تُشبه ضوء الفجر حين يلامس ذاكرة الماء. هنا، تتقدّم القصيدة كرفيقة طريق، لا لتروي حكاية الشاعرة فحسب، بل لتفتح أمام القارئ أبوابا للذاكرة والهوية والسمو الروحي، في رحلة تتسع للفرد والجماعة معًا.
يمثل ديوان “ظلال لا تشبهني” تجربة شعرية عالية النضج، تمزج بين البوح الشخصي والحنين الجمعي، وبين صفاء الروح ووجع الفقد، في صياغة لغوية مشبعة بروح التصوف وشفافية التأمل. فالشاعرة ابنة بيئة وهران المدينة الجزائرية بكامل تفاصيلها التي تجلت من خلال هذا البوح المشاعري والشاعري العميق.

المؤلفة في سطور :

تمثل البروفيسورة سعاد بسناسي نموذجًا للمرأة الأكاديمية المبدعة التي صنعت حضورها المميز في الساحة الثقافية الجزائرية والعربية، إذ تعد أصغر من نال لقب بروفيسور في الجزائر، وجمعت بين البحث العلمي والكتابة الأدبية، فمزجت عمق الفكر برهافة الحس المتمظهر من خلال قصائد الديوان الذي بين أيدينا.
كما تعد سعاد بسناسي النموذج الأمثل لامرأة صنعت مسارها بالاجتهاد المتواصل والبحث العميق. فقد جعلت من التجربة الأكاديمية والثقافية منبرًا للتأمل الإنساني. حيث نجدها نشاطا يتدفق ليملأ الساحات العلمية والثقافية. لذلك فقد ظلت تجمع بين القيادة والإدارة برئاستها لأكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي. هذه الأكاديمية التي بذلت جهودًا متضافرة وعظيمة في إعادة تشكيل العلاقة بين المؤسسات والخبراء والباحثين وكافة المهتمين بالشأن الأكاديمي والعلمي والثقافي واللغوي، لإنجاز إعادة صياغة الوجدان الجمعي للشعوب في الوطن العربي وكل الشعوب المحبة للحياة.

الشاعرة والديوان بنيته ومحتوياته :

تفتح البروفيسورة سعاد بسناسي في ديوانها( ظلال لا تشبهني)، بوابة من نور وحنين، حيث تتقاطع الذات العاشقة للوطن مع الروح المشرّبة بصفاء التصوف. من الإهداء الذي يشبه همسة سرية، إلى القصيدة الختامية التي تفيض بمناجاة الغياب، تصوغ الشاعرة نصوصًا تحمل القارئ بين الصفح والنور، بين الانتماء والفقد، بلغة شفافة وصور تنبض بالحياة. إنه من المنقصة النظر إلى هذا الديوان نصوصًا شعرية، ذلك لأن المتمعن فيه يجده مرافئ صامتة لقلوب هشة قاومت ونجت بالحروف.
فإن هذا الديوان ( ظلال لا تشبهني)، الصادر في نحو تسعين صفحة، يحتوي على اثنتين وثلاثين قصيدة، إلى جانب لوحات تشكيلية، ويتوزع على ثلاث محطات شعورية أساسية: الصفح الداخلي، الحنين الجمعي، والفقد الممزوج بالوصال الروحي. كذلك غلاف الديوان الذي ينبغي أن نتوقف عنده قليلا.

فقد جاءت عناوين القصائد متنوّعة بين الهمس الداخلي، والانفتاح على فضاء الوطن، واستدعاء الشخصيات والأماكن، كما في: ( لم أخبر أحدا، جذور تمسك بالروح، حين صفق الظل، بين جموع لا تشبهني، ظلال من وطن، طهر لا ينتظر الشكر، هواء يهدهد القلب، وهران حيث للضوء مقام، وطن في حضرة التجلي، الهزيع الأخير، رفق الأرواح، نشيد المدد وغيرها). هذا إلى جانب النصوص الشعرية، نؤكد هنا أن الديوان تتخلله لوحات تشكيلية ، وصور ذهنية ، التي جاءت لتعبر عن مساحات لونية توازي التعبير الشعري، وتمنح القارئ فرصة لالتقاط أنفاسه بين النصوص، في تفاعل بصري وجداني.

الغلاف:

جاء الغلاف الخارجي للديوان ليمثل عتبة بصرية للنصوص. فتصميمه يوازي الجو الشعوري لها. إذ يغلب عليه اللونان الأبيض والرمادي الفاتح، في إحالة إلى صفاء الروح وضباب الحنين، مع لمسات من الأزرق المائل إلى الفيروزي تذكّر بانعكاس الضوء على سطح الماء. في مركز الغلاف تتوزع ظلال خفيفة لأشكال بشرية غير مكتملة الملامح، كأنها أطياف عابرة، في انسجام مع عنوان الديوان “ظلال لا تشبهني”. أما العنوان فقد كُتب بخط عربي أنيق يميل إلى الانسياب، مما يعزز الإحساس بأن القارئ على وشك الدخول في عالم شعري يتماهى فيه الحلم مع الذاكرة. هنا لا نتحدث عن الغلاف بوصفه واجهة، بل هو مفتاح بصري لروح الديوان.
نشير هنا أيضًا إلى أن ألوان الغلاف تتميز بالهدوء إذ تتماوج بين الظل والنور،بينما تتوسط الغلاف لوحة تشكيلية تتناغم مع روحه الداخلية، وكأنها تلخص فكرته المركزية القائلة بأن الظلال ليست إلا أثرًا للنور. كما نضيف إلى ذلك كله أن خط العنوان يعكس صدق التجربة الشعرية وبعدها عن الزخرف المفتعل. أما الغلاف الخلفي فهو يضم مقتطفات شعرية ولمحة عن المؤلفة، مما يهيئ القارئ لرحلة ذات طابع تأملي وروحي.

الإهداء:

إننا عندما ننتقل إلى الداخل نجد الإهداء، حيث تكشف سعاد بسناسي عن انحيازها إلى البوح الروحي، حيث تقول:
( إلى الطيف الذي همس في أذن انتظاري فجأة.
إلى الحنين الذي يسكنني كما يسكن الضوء ذاكرة الماء.
إلى أنس صار رفيقًا، فلم أعد أهاب وحدتي.
إلى كل صمت صاغني من الداخل، فصرت أنفاس قصيدة.
أهدي هذه الهمسات لكل من حمل قلبًا هشًا، فقاوم، ولكل من أحب بصمت فنجا بالحروف.)

هذا الإهداء لا ينم عن كلمات عابرة فحسب ، بل يشكل مفتاحا للقراءة ، فهو مزيج من الذاكرة والسكينة والمقاومة الداخلية، موجه لكل الأرواح الهشة التي نجت بالكلمة. لغته مشبعة بالصور البلاغية (الضوء يسكن ذاكرة الماء، الصمت يصوغ الداخل)، هذه صور تكشف عن حس صوفي يجعل من اللغة أداة تطهير وارتقاء.
مما يجعل هذا الإهداء يمثل عتبة للدخول ، كما ويضعنا في قلب التجربة الوجدانية للديوان.
فلنقرأ قولها في الإهداء مرة أخرى 🙁 إلى الطيف الذي همس في أذن انتظاري فجأة… إلى كل صمت صاغني من الداخل فصرت أنفاس قصيدة… لكل من حمل قلبًا هشًا فقاوم، ولكل من أحب بصمت فنجا بالحروف.)
هنا يتجلى الطيف بوصفه رمزًا للحضور الغائب، والحنين ضوءًا يسكن ذاكرة الماء، والصمت قوة خفية تشكل الذات من الداخل. أمام هذا الوصف لا يسعنا إلأ أن نقول بأن الإهداء في حد ذاته قصيدة تفتح الباب لفهم المناخ العاطفي والروحي الذي يظلل نصوص هذا الديوان .
تجدر الإشارة هنا أيضآ إلى أن هذا الإهداء قد أصبح بوابة إلى عالم الشاعرة بسناسي. فالنص أعلاه على الرغم من قصره، غير أنه يلخص محور هذا الديوان لكونه يتضمن الحضور والغياب، الطهر والصبر، الحب الصامت الذي يتحول إلى كتابة. إنه إعلان عن توجه صوفي يزاوج بين التجربة الشخصية والنفس الجمعي الذي يبرز تراكم الخبرات الفردية والجمعية والمجتمعية المتنوعة، حيث الألم يصبح طريقا للنور عند الشاعرة.

محتوى الديوان:

يقع الديوان في نحو تسعين صفحة ويضم عدد( 32) قصيدة. القصيدة الأولى فيه ، هي( لَمْ أُخْبِرْ أَحَدًا)، وبينها وبين القصيدة الخاتمة ثلاثون قصيدة، تعطي عناوينها جل مضامينها. نذكر هنا العناوين ونترك للقارئ فرصة السياحة فيها( جُذُورٌ تَمْسِكُ بِالرُّوحِ، حِينَ صَفَقَ الظِّلُّ، بَيْنَ جُمُوعٍ لا تَشْبِهُنِي، فِي الصَّدِّ كَانَ دَرْبُهَا، ظِلَالٌ مِنْ وَطَنٍ، اكْتِمْكْ كَيْ لا يَضِيعَ اسْمُكَ فِي الزَّحَامِ، طَهْرٌ لا يَنْتَظِرُ الشُّكْرَ، هَوَاءٌ يَهَدِّدُ الْقَلْبَ، اِغْمِضْ بَصَرَكَ لِتَرَى، صَدَى الْخُطَى عَلَى وَتَرِ الْبَتْرَاءَ، فِي رِحَابِ عَمِّي مُوسَى، سِرُّ النُّورِ الْخَفِيِّ، حَفَاوَةٌ لا تَنْطِقُ لُغَتِي، مَطَرٌ لا يَبْتَلُّ بِهِ أَحَدٌ، رَجَعَ الْغَائِبُ، مُنَاجَاةٌ عَلَى هَامِشِ الرَّفْضِ، حَنِينٌ لا يُتَرْجَمُ، شَذَى الْوَرَقِ، طَيِّبٌ وَلَكِنْ مَرَّتْ سَحَابَتُهُ، وَهْرَانُ حَيْثُ لِلضَّوْءِ مَقَامٌ، تَحَرَّرِي مِنْ قُيُودِكِ، حِينَ يَصُدُّ الْحَبِيبُ عَنِ الْهَوَى، نُورُ السَّمَوَاتِ، وَطَنٌ فِي حَضْرَةِ التَّجَلِّي، كَمَا يَرَانِي النُّورُ، نَبْضٌ بِلَا اسْمٍ، صَحَوْتُ وَمَا كُنْتُ نَائِمًا، الْهَزِيعُ الأَخِيرُ، الْهِلاَلُ الَّذِي نَسِيَ الرَّعْدَ، رِفْقُ الْأَرْوَاحِ). ثم القصيدة الخاتمة( نَشِيدُ الْمَدَد(.
وقد زُيّن الديوان ببعض اللوحات التشكيلية التي تعكس الجو الروحي والجمالي للنصوص، والتي صممت لإيضاح بعضها.

دلالة العناوين :

من خلال هذه العناوين تبدو خيوط المسار الشعوري، التي يمكن من خلالها تمييز ثلاث مناطق شعورية:
أولها /الصفح والسكينة الداخلية : تظهر بصورة جلية في بعض القصائد مثل لم أخبر أحدًا، طهر لا ينتظر الشكر، رفق الأرواح…… الخ
ثانيها / الوطن والحنين الجمعي : تظهر في بعض القصائد، مثل ظلال من وطن، وهران حيث للضوء مقام، ….. الخ
ثالثها / الفقد والوصال الروحي : تتجلى في بعض القصائد، مثل رجع الغائب، الهزيع الأخير، نشيد المدد، …الخ
يلحظ أن هذا التدرج في قصائد الديوان يوازي رحلة وجدانية تبدأ من الذات،ثم تتسع للجماعة، وتنتهي بالمطلق.
كذلك فأن ترتيب هذه العناوين يعكس أيضآ مسارًا وجدانيًا يبدأ من الذات، ثم يمر بالجماعة، ثم ينفتح على المطلق. حالها حال الزخرفة العربية الإسلامية(الارابيسكو ).
عليه فهناك ثلاثة محاور، هذه المحاور الثلاثة تجيش في داخل الشاعرة، وقد تم رصدها من خلال عناوين القصائد ومضامينها فكان المحور الأول في المنطقة الشعورية الأولى، حيث الصفح والتسامي الروحي يتجلى في النصوص التي تجعل من العفو موقفًا وجوديًا. أما المحور الثاني فمكانه المنطقة الشعورية الثانية إذ تتمثل في الحنين والذاكرة حيث الوطن والأماكن والأشخاص الغائبون يتحولون إلى طيف دائم في النصوص. بينما في محور المنطقة الشعورية الثالثة نجد النور والتجلي حيث تستحضر الشاعرة المعجم الصوفي والنوراني لرفع التجربة الشعرية إلى مستوى التأمل الروحي.
إن هذا التدرج يوازي أيضًا رحلة وجدانية تبدأ من الذات لتتسع للجماعة، وتنتهي بالمطلق، لتبرز من خلاله السمات اللغوية والأسلوبية، حيث نجد لغة شفافة ذات نبرة صوفية تمزج البساطة بالعمق. كما أن هناك إيقاع داخلي متدفق يعتمد على التوازي والترادف. إضافة إلى صور شعرية كثيفة تمزج المحسوس بالمجرد، مثل( أغمض بصرك لترى).

القصيدتان( من الافتتاح إلى الخاتمة) :

اختارت الشاعرة أن تفتتح ديوانها بقصيدة( لم أخبر أحدا)، حيث يتقاطع الصفح مع النور، والصبر مع الكبرياء الروحي، لتضع القارئ منذ البدء في أفق شعري متسامٍ:
( أأطفئ نوري لأرضي جهل من ظلموا؟
بل إني في النور أبقى، وهو ما زال…)
وفي الخاتمة، قصيدة( نشيد المدد) حيث يتحول الحنين إلى طاقة بقاء، ويغدو الغياب حضورًا ممتدًا في الذاكرة، فتقول :
( لم أطلب الوصل، بل أن أبقى وفيا
لمن عبروا روحي كالنشيد الأوحد)
إنه وبهذا التوازي، تصوغ الشاعرة سعاد بسناسي مسارًا يبدأ من الصفح وينتهي إلى الرضا، من الجرح إلى المدد.

القصيدة الأولى :

إنني وبهذا أخص القصيدة بالتناول لأنها القصيدة الافتتاحية التي جاءت تحت عنوان( لم أخبر أحدا). حيث تبدأ الشاعرة من نقطة الصفح، فنجد الألم لا يتحول إلى انتقام، بل إلى نور باقٍ، كما في قولها:
( أأطفئ نوري لأرضي جهل من ظلموا؟
بل إني في النور أبقى، وهو ما زال…)
فالقصيدة هنا تعلن عن موقف أخلاقي وروحي، يرى أن العفو ارتقاء، وأن الطهارة لا تُشترى بالكلمات، بل تُبنى بالصبر والمجاهدة الداخلية.
نشير هنا إلى أن هذه القصيدة الافتتاحية تضع القارئ أمام معادلة الطهر والصبر، حيث تقول الشاعرة:
من علم الحب صفحًا يهتدي بالهدى، لا بما قد خطه القيل وقال.
إذ نلحظ هنا أن الصفح ليس ضعفًا بل نور يثبت أمام جهل الظالمين، فالقصيدة خطاب موجه للذات كي تكتب( آيات الرقي )، وتسامح لترتقي.

القصيدة الختامية “نشيد المدد”:

تمثل هذه القصيدة الخاتمة، مناجاة روحية لأخيها الراحل طيب بسناسي، وربما آخرين، لكنها لا تذوب في الحزن بل تحوّله إلى وصال متعالٍ ، حيث تقول
( فيا من مضى، لا الغياب أطفاكم ولا الموت أغلق بابكم في المدد…).
إنها رؤية صوفية للموت، حيث الغياب ليس انقطاعًا بل امتدادًا، والحضور يتحقق عبر الذكرى.
هكذا يُختتم الديوان بمناجاة عميقة لأخيها طيب بسناسي الذي فقدته الشاعرة قبل ثلاث سنوات ، وربما لآخرين غابوا. النص يستحضرهم مثل (باب إلى الضوء المعلق) ، ومثل( نجوم لا تغيب). فالحزن هنا لا يقيم في الملامح بل في خمرة الذكرى ولهفة الدعاء، والقصيدة تتحول إلى مرثية مضيئة، تجعل الموت امتدادًا للحياة في الذاكرة.
هذه القصيدة الخاتمة(نشيد المدد)، تمثل الحنين الذي لا ينطفئ، فهي قد جاءت في ختام الديوان بوصفها بكائية حزينة تعبر عن أعلى درجات البوح، حيث تتحول الكلمات إلى مناجاة لأخ الشاعرة الراحل طيب بسناسي منذ ثلاث سنوات ، وربما لآخرين غيّبتهم يد القدر كما أسلفنا. لكنهم ظلّوا حاضرين في وجدانها. هنا يتخذ النص شكلا حواريا صامتا مع الغائبين، غير أنه في ذات الوقت حوارٌ لا يستجدي العودة، بل يؤكد الوفاء والاستمرار في حمل أثرهم. يلحظ هنا أن الصور الشعرية الموشّاة بمفردات النور، الغيث، المدى، والنشيد، تعمل على إيجاد فضاء روحي يسمو فوق الحزن المعتاد، ليصبح الغياب طاقة نورانية تربط بين عالم الشاعرة وعالم أحبتها الراحلين. عليه فمن خلال هذه القصيدة، تكتمل دورة الديوان بين افتتاحية مشبعة بالصفح وطمأنينة الروح، وختامية تمزج الحنين بالإيمان العميق بأن الروح الإنسانية تبقى حاضرة، مهما غيّبها الموت.

السمات اللغوية والأسلوبية للديوان :

من خلال القراءة المتأنية تتضح السمات اللغوية والأسلوبية التي تميز ديوان(ظلال لا تشبهني). فهي تتبلور في نقاط أساسية يمكن أن نخلصها في الآتي :
أولاً / أن اللغة شفافة صوفية النبرة، تجمع بين البساطة المعجمية والعمق الدلالي، حيث تتكرر مفردات النور، الطهر، الغياب، المدد، مما يعكس تشرّب الشاعرة بروح التصوف.
ثانياً / وجود إيقاع داخلي متدفق بسلاسة متصلة ، يعتمد على التوازي والترادف أكثر من الوزن الصارم، ما يمنح النصوص حرية موسيقية تشبه التلاوة الوجدانية.
ثالثًا / وجود صور شعرية كثيفة تمزج بين المحسوس والمجرد، في مثل قولها :(أغمض بصرك لترى)، ( ظل تخلى عن الجسد)وغيرها من الصور، فهي صور تحفز القارئ على التأويل بدلا من الاكتفاء بالتلقي المباشر فقط .
هذه العناصر والسمات تجعل الديوان نصًا مفتوحًا، يتجاوز اللحظة الشعرية إلى فضاء تأملي ممتد، يتيح للقراء الدخول في حوار شخصي مع النصوص، كل حسب تجربته الوجدانية الخاصة به.
اللغة جسر بين الفردي والجمعي :
لقد جاءت لغة هذا الديوان (ظلال لا تشبهني) مبنية على توازن بين الإيحاء الشعري والحمولة الثقافية والاجتماعية. فهي لغة ذات جذور في الفصحى التراثية، تستدعي ألفاظًا من معجم الصفاء الروحي مثل (الطهر، النور ، المدد، الصمد)، غير أنها في الوقت نفسه لغة حية تتحاور مع الوجدان المعاصر من خلال الصور اليومية والرموز المحلية المتماسكة.
هذه اللغة تسجل التجربة الشخصية للشاعرة سعاد بسناسي ، وتعيد وصلها بالذاكرة الجمعية، بحيث يجد القارئ ذاته في النصوص، سواء كان قريبًا من تجربتها أم بعيدًا عنها. إذ تتحول المفردات إلى مفاتيح لاستحضار قيم المجتمع مثل (الصبر، الصفح، الحنين، الوفاء)، وهي قيم تجعل النصوص فضاءً مشتركًا للبوح الجماعي الذي يمثل الخبرات المجتمعية المتراكمة .
الخلاصة والخاتمة:
من خلال كل تقدم نخلص إلى أن(ظلال لا تشبهني) ليس ديوانا شعريا فحسب ، بل رحلة تأملية بين محطات الصفح، الحنين، والفقد، مكتوبة بلغة تتسع لتجربة القارئ وتدعوه لمشاركة الشاعرة سعاد بسناسي في سفرها الروحي.
لذلك كله سوف يمضي ديوان( ظلال لا تشبهني ) في مساره الذي يمثل رحلة بين مطلع يفتح القلب على الصفح والنور، وخاتمة تضع الغياب في مقام الحضور السرمدي. و ما بينهما تتقاطع الظلال مع الضوء، وتتعانق الذاكرة الفردية مع النفس الجمعي لتُشكّل خريطة وجدانية تحفظ ما هو أعمق من الكلمات، نبض إنسان يكتب ذاته ليكتبنا جميعًا. وفي نهاية هذه القراءة أقول : تبقى قصائد سعاد بسناسي حية فينا إلى الأبد ، فهي ليست نصوصا مطبوعة فحسب ، بل مساحات للبوح والتأمل، تعلّمنا أن الحنين حين يتجلّى في الشعر، لا يكون استعادةً للماضي فقط ، بل بناءً لجسرٍ يعبر بنا نحو ضوء لا ينطفئ طالما حيينا .
بهذا فإن ديوان(ظلال لا تشبهني) يخبرنا أنه يتجاوز نصوصه الشعرية، ليصبح رحلة وجدانية تعكس خبرة متراكمة وحساسية لغوية عالية، حيث تنسجم اللغة الصوفية مع التجربة الإنسانية اليومية للشاعرة سعاد بسناسي .
كذلك فإن ديوان( ظلال لا تشبهني) يمثل نصا يتطلب القراءة المتأنية حقا، لأنه مكتوب من قلب يرى في الحضور ظلًا للنور، وفي الغياب حضورًا آخر لا ينطفئ أبد الدهر.

The post قراءة في ديوان(ظلال لا تشبهني) للشاعرة والأكاديمية الجزائرية سعاد بسناسي…بقلم البروفيسورة السودانية هداية تاج الأصفياء appeared first on المقال.

]]>
يضاف إلى سلسلة مؤلفاتها الفردية…إصدار كتاب حول “اللّسانيّات العصبيّة” للأستاذة سعاد بسناسي https://elmakal.dz/2025/09/14/%d9%8a%d8%b6%d8%a7%d9%81-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%b3%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a9-%d9%85%d8%a4%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b1%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d8%a5%d8%b5%d8%af%d8%a7%d8%b1/ Sun, 14 Sep 2025 12:41:36 +0000 https://elmakal.dz/?p=26601 أصدرت دار كنوز المعرفة بالأردن كتابا حول: (اللّسانيّات العصبيّة) من تأليف البروفيسور سعاد بسناسي، ويُضاف هذا الكتاب إلى سلسلة من الكتب الفرديّة للأستاذة وأخرى جماعيّة بأرقام إيداع دوليّة، وللإشارة فإنّ الأستاذة سعاد بسناسي طبعت أوّل كتاب مشترك سنة 2007 حول: (المقرّرات الصّوتيّة للبرامج الوزاريّة في الجامعة الجزائريّة) بالاشتراك مع الأستاذ القدير مكيّ درّار، ولأهمّية الكتاب […]

The post يضاف إلى سلسلة مؤلفاتها الفردية…إصدار كتاب حول “اللّسانيّات العصبيّة” للأستاذة سعاد بسناسي appeared first on المقال.

]]>
أصدرت دار كنوز المعرفة بالأردن كتابا حول: (اللّسانيّات العصبيّة) من تأليف البروفيسور سعاد بسناسي، ويُضاف هذا الكتاب إلى سلسلة من الكتب الفرديّة للأستاذة وأخرى جماعيّة بأرقام إيداع دوليّة، وللإشارة فإنّ الأستاذة سعاد بسناسي طبعت أوّل كتاب مشترك سنة 2007 حول: (المقرّرات الصّوتيّة للبرامج الوزاريّة في الجامعة الجزائريّة) بالاشتراك مع الأستاذ القدير مكيّ درّار، ولأهمّية الكتاب لقي رواجًا وإقبالاً فطبع ثلاث مرّات متوالية، ونفذت جميع الطّبعات، وصدر للأستاذة سعاد بسناسي كتابان من تأليفها الأوّل بعنوان التّحوّلات الصّوتيّة والدّلاليّة في المباني الإفراديّة، والثّاني بعنوان: التّحوّلات الصّوتيّة والدّلاليّة في المباني التّركيبيّة طبعا في الأردن سنة 2012، وبعدها كتاب السّمعيّات العربيّة في الأصوات اللّغويّة سنة 2013 بالأردن طبعة أولى، وطبعة خاصّة بالجزائر سنة 2015، ثم كتاب دراسة لسانيّة في المباني الإفراديّة لحكاية العشّاق في الحبّ والاشتياق لمحمّد بن إبراهيم، طبعة أولى بالجزائر من إصدارات مخبر اللّهجات ومعالجة الكلام، ثمّ كتاب مشترك حول صوتيّات التّصريف بين التّوصيف والتّوظيف سنة 2015 طبع بالجزائر، وكتاب علم النّفس التّربويّ طبعة أولى بالجزائر سنة 2022، وصولاً إلى كتاب سيمياء ملفوظ السّرد طبع بالقاهرة طبعة أولى سنة 2024 من طرف دار العلا للنّشر والتّوزيع، وبعده في مجال السّرد مضمرات ملفوظ السّرد طبعة أولى بالأردن 2024 دار كنوز المعرفة، هذا إضافة إلى كتب جماعيّة تجاوزت ثلاثين كتابًا، سنذكرها في مقالات أخرى بحول الله تعالى.

وطبعت الدّار نفسها (كنوز المعرفة) كتاب اللّسانيّات العصبيّة، والذّي ذكرت في مقدّمته الأستاذة سعاد بسناسي أنّ الله سبحانه وتعالى الإنسان بالعقل وخصّه بالتّفكير والنّطق، لأجل ذلك ارتبطت العمليّة التّواصليّة الفكريّة بالتّفكير والعقل واللّغة بوصفها من قدرات التّعبير والتّواصل ضمن أنساق من العلامات المتداولة، ونجد أنّ العلاقة الجدليّة بين الفكر والتّفكير واللّغة قد شغلت بال الدّارسين المختصّين في مختلف المجالات، وتباينت الآراء في جوانب وتلاقت في أخرى، ويتّفقُ الجميع على أهمّية الصّوت بوصفه أساس المستويات اللّسانيّة وقاعدتها، وأنّ حدّ اللّغة أصوات – في تعريف ابن جنّي- وربط المستوى الصّوتيّ بالمستوى الإفراديّ والتّركيبيّ والأسلوبيّ البلاغيّ وصولاً إلى الدّلالة التّي تشترك فيها جميع المستويات اللّغويّة وإن اختلف عددها وترتيبها عند الدّارسين، وكانت بذلك المعارف والأفكار مستقاة عبر مصفاة اللّغة ممّا فصّل فيه اللّسانيّون في بحوثهم.

وإنّ الحديثَ عن اللّغة يُحتّم علينا تحديد مستوياتها ومجالاتها ومواضيعها وصولاً إلى وظائفها وكيفيّات تحقّقها، ويرتبطُ ذلك كلّه بعمليّة التّحكّم في الوظيفة اللّغويّة، وعلاقتها بالدّماغ وتقسيماته، وما ينتج عن عمليّات الدّماغ من مواقف إيجابيّة في العمليّة التّواصليّة، أو مواقف سلبيّة نتيجة خلل في الدّائرة التّواصليّة عند أحد عناصرها – المرسِل، المستقبِل، الرّسالة، القناة النّاقلة – وهذه الدّائرة تنطلق من فكر المتكلِّم لتصل إلى فكر المستقبِل، ووجب حينها فهم الآليّات العصبيّة في الدّماغ البشريّ، ويندرج تفصيل هذه الإشكالات ضمن اللّسانيّات العصبيّة (Neurolinguistics) وهي أحد فروع اللّسانيّات التّطبيقيّة التّي تركّز على وصف وتحليل مختلف حالات الآليّات العصبيّة في الدّماغ الإنسانيّ، وخاصّة تلك التّي تُسهمُ في فهم اللّغة واكتسابها وإنتاجها والتّأثير بها لتحقيق العمليّة التّواصليّة التّفاعليّة. وتقفُ مختلف الدّراسات التّشريحيّة للدّماغ البشريّ على مكوّناته وتقسيماته الكبرى والدّقيقة بتحديد موقعيّاتها ووظائفها وعلاقتها ببعضها، ومنه أنّ منطقة بروكا (Broca’s area) التّي حدّدها عالم التّشريح الفرنسيّ بير بول بروكا هي المسؤولة عن إنتاج الكلام والقدرة عليه، وبيّن أنّ الجزء الأيسر من الدّماغ هو المسؤول عنها، وتقابلها منطقة فيرنيك (Wernick’s area) نسبةً إلى طبيب الأعصاب والنّفس الألمانيّ كارل فيرنيك، وهذه الباحة هي المسؤولة عن حركات أعضاء أجهزة النّطق في إنتاج الكلام، حيث تتبّع أمكنة وقوع الإصابات الدّماغيّة ممّا ينجم عنه فقدان القدرة على فهم الإنتاج اللّغويّ واستيعابه.

واللّسانيّات العصبيّة من العلوم التّي تتشعّب منطلقاتها وموضوعاتها، وذلك لارتباط موضوعها الأساسيّ بالأعصاب والخلايا العصبيّة بين المتكلّم إلى المنطقة السّمعيّة في دماغ المتلقي عن طريق العصب السّمعيّ، ومن ثمّة تعترضنا حالات كثيرة ومتنوّعة في تتبّع الرّسالة العصبيّة وفهمها حينما تتمّ عمليّة تحويل التّصوّرات إلى مدركات في الدّماغ من حزمة الألياف المقوّسة في منطقة فيرنيك إلى المنطقة الحركيّة في باحة بروكا بهدف التّنسيق بين أعضاء النّطق لإنتاج الرّسالة الصّوتيّة، وحينما يحدث أيّ خلل في عمليّة الإرسال والاستقبال الصّوتيّين فهو حتما خلل باحة بروكا وفيرنيك على التّوالي بحسب مسؤوليّة كلّ باحة، وهذه المعيقات اللّغويّة تتطلّب علاجات تتلخّص في فهم بنية الدّماغ وعلاقته باللّغة مهما تباينت الأسباب والمسبّبات والحالات.

وإنّ التّعامل مع إنتاج اللّغة في الدّماغ في علم اللّغة العصبيّ يتطلّب فهم معطياته ومناهجه التّي يلتقي فيها مع علوم أخرى كالعلوم العصبيّة الدّقيقة، واللّسانيّات، وعلم النّفس العصبيّ وغيرها من العلوم المعرفيّة؛ ممّا يزيد فهم الموضوع تعقيدا، وخاصّة حينما يتناول الاضطرابات اللّغويّة النّاجمة عن إصابات في القشرة المخيّة اليسرى، لأنّ اللّغة من وظائف هذا الشّق من الدّماغ، ومحاولةً منّا لفهم الموضوع وتحليله والإمساك بخيوطه الرّفيعة أحيانًا والعامّة الموجزة في بعض المقامات عمدنا إلى تقسيم البحث إلى ثلاثة فصول، ويندرج ضمن كلّ فصل مبحثين بعناوين فرعيّة تفريعيّة توضّحها جداول ورسومات توضيحيّة بحسب متطلّبات أفكار العناوين المدرجة.

انطلقنا في الفصل الأوّل من عنوان كينونة الكائنات، وركّزنا في المبحث الأوّل منه على الإنسان ومكوّناته استنادًا إلى كينونته، وحركيّته، وصولاً إلى تقسيم الخلايا العصبيّة لتحديد العلاقة بين اللّسانيّات العصبيّة والعلاجيّة من أجل تحديد الملكات الإنسانيّة اللّسانيّة بوصفها مقصورة على الإنسان ويتجسّد من خلالها تفاعله وتواصله في مختلف مواقف حياته، ممّا جعل الكثير من الدّارسين عدّها من المواضيع المعقّدة في الدّماغ البشريّ لعدة أسباب يرجع أغلبها لنموّ القشرة الدّماغيّة والعمليّات المركّبة وتداخل العمليّات الذّهنيّة المختلفة وغيرها. وخصّصنا المبحث الثّاني من الفصل الأوّل للتّفصيل في المقوّمات والمكوّنات بفهم توزيعات الدّماغ، وتشكيلاته وموقعيّاته بفهم وظائف وعلاقات بعض المكونات الأساسيّة منها الحبل الشّوكيّ، الجمجمة، اليدان، القدمان، الجلد، العروق والدّم والعضلات وصولاً إلى المقوّمات، وتقويمها لكي نمهّد للمدركات الخفيّة المتمثّلة في: الفكر، والتّفكير، والعقل والذّهن والذّكاء والانتباه لتحديد مناطق الدّماغ واستنطاقها بأعداد ومعدودات من خلال عرض مفصّل لمناطق برودمان لمعرفة الموجود من الأعصاب والمفقودعنده، وحصر المناطق الدّماغيّة بين الاحتمال والاستعمال.

وتناولنا في الفصل الثّاني الخلايا العصبيّة وتفاعل الكائنات، بحيث خصّصنا المبحث الأوّل للحديث عن تفاعل الكائنات وركّزنا فيه على مفهوم الخليّة وأشكالها وتشكيلاتها، ممّا وضّحته رسومات بيانيّة توضيحيّة لها بتحديد تكوّنها وتشكّلاتها وغيرها من المعطيات التّي استوقفتنا فوقنا عندها تمثيلاً وتحليلاً. وكان المبحث الثّاني من الفصل الثّاني مفصّلاً عن الأعصاب استهلالاً بحديث الجهاز العصبيّ، والتّقسيمات الثّلاثيّة بعرض تقسيمات الدّماغ البشريّ، وربطها بالعصبون لاستخلاص المفاهيم الدّقيقة، وتحديدها بشكل صحيح لفهمها من أجل حسن توظيفها، بما اعتمدناه من صور توضيحيّة ورسومات تفسيريّة تمثيليّة، وربطُ آليّات التّصويت الثّلاثيّة بالجهاز السّمعيّ المتمثّل في الأذن واللّسان ووظائفه من خلال عصبيّات التّصويت بتحديد القشرة المخيّة، والقشرة المخيخيّة، لفهم تشكيلة الدّماغ ومراحل التّصويت التّي تنتج عن تحوّلات الحواس وتبدّلاتها وغيرها من التّمثيلات والحالات.

وختمنا البحث بالفصل الثّالث الذّي وسمناه: الإنتاج والعلاج، بالوقوف في المبحث الأوّل منه على الإنتاج ومنطلقه في النّشأة، واستنطاق المناطق الدّماغيّة خاصّة التّعبيريّة ووظائف العصبونات في عمليّة الإنتاج وربطها بالأعضاء المنتجة بالوقوف عند الإلقاء والتّلقي وملامح الإنتاج الشّعريّ، وغيرها من المواقف الإلقائيّة اللّغويّة التّي تتحكّم فيها الأعصاب وتنتجها، ووقفنا وقفةً متأنيّةً عند مقادير إنتاج أصوات اللّغة العربيّة من الألف إلى الشّين، واتّبعنا في ذلك منهجيّة التّرتيب الأبجديّ، ومثّلنا لكلّ حرف منها بجدول لتحديد صفات إنتاجه وميزاته النّطقيّة ليتحدّد مسار العمليّة التّصويتيّة، ويتحدّد من خلالها منتهى مسارات عمل الأعصاب ووظائفها.

ونشيرُ إلى أنّنا حاولنا الاجتهاد في هذا الموضوع، ونأملُ أن تتحقّقَ بعضُ جوانبِ الإفادة العلميّة لدى المهتمّين والباحثين المنشغلين بذلك، ولا ندّعي الإلمام بكلّ ما له صلة بإشكالات اللّسانيّات العصبيّة، بل هي فاتحة أعمال لاحقةٍ، ونحسبها أرضيّةً تقومُ عليها أعمدة البحث المنفتحة آفاقه، ممّا تشرّعه لنا منهجيّة البحث والتّأليف. ونسألُ الله السّداد، ونرجوه التّوفيق لما فيه الخير والإفادة.

The post يضاف إلى سلسلة مؤلفاتها الفردية…إصدار كتاب حول “اللّسانيّات العصبيّة” للأستاذة سعاد بسناسي appeared first on المقال.

]]>
حين يتكلم الغياب بلغة الحضور ديوان ( ظلالٌ لا تُشبهني )…للشاعرة الجزائرية سعاد بسناسي https://elmakal.dz/2025/08/31/%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d9%8a%d8%aa%d9%83%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%8a%d8%a7%d8%a8-%d8%a8%d9%84%d8%ba%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d9%88%d8%b1-%d8%af%d9%8a%d9%88%d8%a7%d9%86-%d8%b8%d9%84/ Sun, 31 Aug 2025 16:16:15 +0000 https://elmakal.dz/?p=26456 بقلم الروائي: علي حسين زينل…نينـــــــــــــــــــوى -العراق- في بداية الأمر على الباحث قبل الشروع بالدخول إلى أيِّ مجال من مجالات الأدب والمعرفة ، سواءً أكان نثرًا أم شعرًا وذلك لغرض الدراسة أو التحليل، أو إبداء الرأي ، أو حتى وجهة نظر محدَّدة، عليه التركيز على أمرين أساسيين: أوَّلهما إلقاء نظرة شاملة على مفاصل النصِّ المتاح ، […]

The post حين يتكلم الغياب بلغة الحضور ديوان ( ظلالٌ لا تُشبهني )…للشاعرة الجزائرية سعاد بسناسي appeared first on المقال.

]]>

بقلم الروائي: علي حسين زينل…نينـــــــــــــــــــوى -العراق-

في بداية الأمر على الباحث قبل الشروع بالدخول إلى أيِّ مجال من مجالات الأدب والمعرفة ، سواءً أكان نثرًا أم شعرًا وذلك لغرض الدراسة أو التحليل، أو إبداء الرأي ، أو حتى وجهة نظر محدَّدة، عليه التركيز على أمرين أساسيين: أوَّلهما إلقاء نظرة شاملة على مفاصل النصِّ المتاح ، لأنَّ إيجاد المنافذ الملائمة يعتمد في الأساس على تلك النظرة العامَّة ، أو بتعبير أدقّ أنَّ ايَّة محاولة لإيجاد نقاط الارتكاز يستدعي الإمعان في الأرضية ، وثانيهما اختيار زاوية نظر ملائمة للشروع بالعمل، والتي تُعدُّ مفتاحًا ملائمًا للخوض في تحليل أو إبداء الرأي في أيِّ نصٍّ أدبي دراسة وافية ودقيقة.

لذا وعلى هذا الأساس ومن منطلق الفكرة ذاتها، رصدتُ لنفسي زاوية فيها الكثير من الحصانة والمناعة، وبكافة أشكالها وأنماطها وطرقها، واتَّخذتُ منها نقطة انطلاق جوهرية لتكوين الرأي وبشكل واثقٍ وسديد إزاء الموضوع قيد البحث . ربَّما لأنَّ الخوض في تجارب الآخرين والانخراط فيها يتطلَّب الكثير من الحذر والإلمام والتقصِّي للإحاطةِ بها إحاطةً كاملة، وبما يُحقِّق الغاية المرجوَّة من ذلك ، وأمانةَ الحفاظ وبشكلٍ منصف على مكنونات تلك التجربة قبل اتِّخاذ أيَّة خطوة مُزمعة.

فضلاً عن ذلك فإنَّ اختياري لتلك الزاوية جاء كونها كانت زاوية حاكمة تمامًا على المشهد النصي الظاهر للعقل الواعي، وللحواس الباطنية في آن واحد، بعيدًا عن أيِّ ميلٍ أو تعاطفٍ غير واقعي، كما يحدث لدى البعض إزاء مواقف معيَّنة . ومن ثمّ فأنَّ اختيار زاوية الرصد له درجة كبيرة من الأهمية للتعرُّف على مجمل التكوينات النصية للبناء الشعري للقصيدة المعنيَّة ، وعدم إغفال أو نسيان أيَّة جزئية يحول دون تحقيق الغاية الأساس ..

كان المشهد الدرامي المتمثِّل بقصائد الديوان ( ظلال لا تٌشبهني ) الذي برز لديَّ بعد قراءتي له كتحفٍ فنيَّةٍ . إنَّ الديوان جديرٌ بالاهتمام والتقييم والدراسة بما فيه من قوَّة الإيحاء ، وكثافة الحضور.. ورمزية التعبير ، إذ يتضمَّن الكثير من الدلالات العميقة والثرَّة.

كانت تلك القصائد على وجه الخصوص تمتاز ببلاغة لغوية عالية، ومتانة البناء، وعمق في المعنى ، إنَّها عمل شعري بامتياز تتمتع باستشعار باطني يتوغل إلى أغوار النفس البشرية لاستنباط الحقائق الكامنة منها.

إنَّ ديوان (ظلال لا تُشبِهني) يفرض نفسه على القارئ بما يتَّصف ببناء رصين ومُحكم، يتجلَّى ذلك في احتواء المعنى وطرحه بشكلِ ليس فيه من الضبابية أو التباس، وعدم التحليق بالخيال عاليًا أكثر ممَّا يجب، وإلى الحدِّ الذي لا يُرى معه أيَّة صورة شعرية واضحة المعالم، ولا يُفهم ذلك حتى من قِبل المؤلف ذاته، كما يحدث لدى البعض من الشعراء يتخيَّلون بلا واقعية ، واهمُّ ما ظهر لي نتيجة البحث كان أمرًا جليًا تمثَّلَ بقوَّة الجاذبية التي لا بدَّ وأنْ تسحب القارئ إلى ميدان الأحاسيس الحامية ..

إنه ديوان الشعر الذي انبثق كالشهاب يتلألأ من سماء أقصى المغرب العربي، وبالتحديد من أرض الجزائر الحبيبة -جامعة وهران-
الديوان من تأليف الشاعرة ( البروفيسور دكتورة سعاد بسناسي ) ، تحت مسمى ( ظلال لا تُشِهُني ) ،وإنِّي لستُ ابالغ بهذا الصدد إذا ما قلتُ أنَّه ديوان يمتاز بالفصاحة اللغوية ، ممَا راق لي كثيرًا بهمساته الشعرية التي بلغني عبر الأثير رقيقة مؤثرة تلامس وتر الوجدان، وتجلَّى الديوان أعلاه بأبهى صور التمثيل الواقعي، والتمثُّل العاطفي العذب، وبدلالات مختلفة وعميقة تلاحق بطريقة صوفية المكامنَ الخفيَّة للذات البشرية.

كانت البوابة المزخرفة لعتبة العنوان مثيرةً للدهشة والاندفاع ، ومِن ثمَّ الوقوف بحماس نتيجة التأثر عند تجلِّيات العنوان بوصفها دلالة عدم تشابه الظلال لمصادرها الأساس، وهذا الأمر هو الذي جعلني أتوقَّف عنده لأدرك دقَّة العنوان على ضوء اختلاف الظلال، وتباينها في التمثيل والتطابق على حدٍّ سواء، وذلك وفقًا للعوامل المؤثرة في الأشكال والصور التمثُّلات ، والناجمة عن طبيعة النور المنبعث، وزاوية مساقطه الضوئية.

بالمناسبة فإنَّ استحالة التشابه أو عدم التطابق يُعَدُّ إفضاءً نوعيًا إلى الجمال الطبيعي، وإثراءً للذائقة السليمة ، وامتدادًا للانهائية البعد الشعاعي للذات الفاعلة ..

وفي مستهل بحثي في تُحف “ظلال لا تُشبهني” وفي لحظة تصفُّح الديوان أرهفتُ السمع، فكان ثمَّة هتافٌ منبعثٌ من بين الاسطر يستدعي التنصت والإذعان وفتح مغاليق الشعور.

كان ذلك الهتاف نابعًا من خلجات الذات إذ يبوح بالأسرار والأغوار ويعلن عن المعاني المنسيَّة ، ويبعث على السكنية والاطمئنان، واللهفة للذَّة الاستماع ، لقد كان ذلك بدايةً موفقة وانسجامًا مع تطلعاتي . أو ليست البدايات هي من أهم المفاتيح التي تحتاجها عملية الشروع ؟

إنَّ مهمَّة تشييد البناء الشعري بشكلٍ رصين وراسخ تستلزم الصبر والـتأنِّي وبُعدَ النظر ، وكما تقول الشاعرة سعاد في ديوانها الصرح : ” ….وما الطُهرُ إلَّا صبرٌ …….” ناهيك عن الألم الدفين الذي يحفظ الذكريات كالذي نوَّهتْ له تلك الأبيات المشعَّة من الديوان ، وأنَّ ثمَّة تساؤلًا كبيرًا، وتحدِّيًا منطقيًّا واضحًا لمتابعة النور الذي يتوهج في الأعماق حسب قولها : ” أأٌطفئ نوري لأُرضي جهلَ مَنْ ظلموا ؟؟”

ثمَّ تستمر الأبيات في السمو كالفراشات الولٍهة صوب مصدر النور لتعثر على قبسٍ مشعٍّ من بؤرة الروح ، في الوقت الذي يبدأ الضوء يميل إلى جدار الصمت، وخلف الظلال ليصافح الشاعرة ، وهي التي في ذاتها لمْ تعد تنتظر شيئًا ….! كما تقول :
“……… وكأنَّني كنتُ فيَّ…. ” . ويا لها من جملة رائعة تتضمَّن استبطانًا داخليًا باهرًا للقارئ !! .

لهذا قد يكون هناك أشياءٌ جميلةٌ بحد ذاتها، ولكنَّها تغدو أجمل وأبهى حينما يكسوها الضياء . إنِّي أعتقد أنَّ الديوان اعلاه يستند على النظرة الصوفية نوعًا ما في تشخيص الحالة، وعلى فكرة أنَّ الحقائق تنبع من ذات الألم .

إنَّ “الخطى التي تحمل صمتًا لا يفهمه إلَّا منْ سمع الآهات ” وهذا الجرج النائم حين استيقظ على صوت قصيدة لم تكتبُ بعدُ ، نجد هنا بين طيّات هذه القصيدة العصماء تجسيدًا رائعًا لعلاقة طردية بين الألم والوجود . وعلى أنْ لا يخشى المرء إذا سار وحيدًا في الأرض اليباب طالما هناك نور يسبق الخطواتِ . فكمْ من زحام أضاع الأسماء والذوات معًا !! وكمْ من وحيد وجد له بين الشوك طريقًا للنجاة ! وكأنَّما كانت الشاعرة تخاطب ذاتها أو ذاتًا أُخرى ، بأن لا تبالِ ايها المرء للزِّحام طالما ثمَّة مَنْ يحميك من الضياع ، ولا تجزع من العتمة لأنَّ حرفك المكتوب بصدقٍ له جناح يحلِّق إلى ما تشبهك من بُؤَر الضياء ، فلِمَ الخشية إذن يا ترى ؟ إنَّه سؤال وجوديٌّ محض يضع الإنسان على المحك إزاء المشقَّات.

ولا ننسى أنَّ أبيات القصيدة في جانب آخر تتضمَّن تشبيهات رائعة من ألفاظ مبنية بإحكام، وصور قد اُختيرت بإتقان لتعزِّز من مقاربة المعاني وتوضيح الأبعاد . كما نري في قول الشاعرة سعاد بسناسي :

” في قصصك ترقد سرائر المجد ، ومن صوتك يتدفق نهر الطيب .” وهناك تشبيه رائع آخر : ” يا نجمة تساقط في فجرك … قصيدة العشق الأبدي”.

وفي موضوع آخر نرى من الضروري الانعزال عن العالم الخارجي لبرهة من الزمن، وذلك لبلوغ الاستبطان الداخلي المطلوب، ومن أجل تأليف نص فنِّي أخَّاذ يتمتَّع بجمالية روحية عالية ، والذي يأتي إلى العالم نتيجة استلال تلك النفحات الكامنة في أغوار النفس بجهد عالٍ لكونها إشارات غير قابلة للإظهار بيُسر ، ولا يحدث ذلك من دون التماهي التام مع خلجات الذات المتألمة . فالألم مصدر آخر لإلهام عظيم في الوجود .

فالعزلة هذه تذهب بنا إلى الحكاية التي تقول : ” إذا فُقِأتْ عيون البلابل غرَّدتْ أجمل ” وعلى هذا الأساس تفسَّر اغماض العين في عزِّ الإحساس، على أنَّه عزلة محدَّدة عن العالم الخارجي كي يُبصر المرء ما لمْ يُبصرْه بالنظر ، فوجدتُ ضمن العناوين الثانوية للديوان ظلال لا تُشبهني ” اغمضْ بصرك لترى” توافقٌ تام مع ما ذكرتُ من وجهة النظر .

وكما ورد بين طيًات القصائد من صدق بما يُعزِّز ما كُتب ” فكلُّ بابٍ يُطرق بصدقٍ ، يُفتح على ظنٍّ ، لا على يقين… ” و” ويعتلي على استحياءٍ في محراب بناه من أوجاعه، ولمْ يدْخله أحدٌ إلَّا السماء ” . وكذلك ما توحي لها تلك الكلمات الرائعة من شعرية فائقة : ” …الكلماتُ نقوش على ماء الغربة، لا تُقرأ إلَّا إذا أغمضتَ السمع والبصرَ ..”؟

والآن أصبح جليًّا لديَّ أنَّ النصوص الشعرية في الديوان أعلاه تبحث بخطىً حثيثة عن الذات ومكنوناتها الخفيَّة ، لا بل حتى الصخور التي بدت تحمل ذكريات العشَّاق كما نوهت اليها الشاعرة المتمكنة بقولها : “… كلَّما خفَتَ ضوء الطريق ، اقتربتَ من الأصل … واتَّسع المكان لمنْ ضاقت به الوجود ”

لاحظتُ أنَّ في السطور وما بينها من معانٍ تُشعرك بوصفك قارئًا بسرٍّ لمْ يُتحْ لعابر سبيل، إنَّما أُتيح لمنْ يلاحق ظلمات النفس لاقتناص قبس النور الخفيِّ ذاك ، وسره الدفين من مكامن الذات . فليس بالإمكان أنْ تُبصر شيئًا من شدَّة الضياء ، وكما يُقال بأنَّنا لا يمكننا أنْ نبصرَ في الضياء الباهر كما نشاء .

إذن أليس صحيحًا أنْ لا يَرى العشَّاقُ ذاتهم من فرط الإبهار ؟؟ دعْ يقينَك يسطعُ شعاعًا من لُجَّة الذات . وما من سهلِ أتى إلَّا وذهب كالزَبَد جفاءً ..

وفي النهاية لا يسعني إلَّا أنْ أقول: إنَّ الديوان أعلاه قد أَعلن عن مكنوناتٍ ثرية برمزية عالية، يخاطب بها الآخرين بقصائد عصماء ، تمتاز بلغة وجدانية شيِّقة ووافية .

The post حين يتكلم الغياب بلغة الحضور ديوان ( ظلالٌ لا تُشبهني )…للشاعرة الجزائرية سعاد بسناسي appeared first on المقال.

]]>
المضمر والمسكوت عنه في رواية “بنسيون في الشّارع الخلفي…مقاربة تأويلية سردية -الجزء الأخير- https://elmakal.dz/2025/08/04/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b6%d9%85%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%83%d9%88%d8%aa-%d8%b9%d9%86%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d9%86%d8%b3%d9%8a%d9%88%d9%86/ Mon, 04 Aug 2025 20:49:33 +0000 https://elmakal.dz/?p=26183 الأكاديمية الجزائرية أ.د سعاد بسناسي جامعة وهران 1 عضو. المجلس الأعلى للغة العربية، مديرة مخبر اللهجات ومعالجة الكلام، رئيسة أكاديمية الوهراني الجزء الأخير نواصل مع قرائنا الكرام الجزء الأخير من خلاصة السرد التفصيلي لرواية بنسيون في الشّارع الخلفي لمؤلفها محمد فتحي المقداد, حيث عرفت الأستاذة سعاد بسناسي كيف تغوص في ثنايا الرواية في جزئها الأول, […]

The post المضمر والمسكوت عنه في رواية “بنسيون في الشّارع الخلفي…مقاربة تأويلية سردية -الجزء الأخير- appeared first on المقال.

]]>

الأكاديمية الجزائرية أ.د سعاد بسناسي جامعة وهران 1 عضو. المجلس الأعلى للغة العربية، مديرة مخبر اللهجات ومعالجة الكلام، رئيسة أكاديمية الوهراني

الجزء الأخير

نواصل مع قرائنا الكرام الجزء الأخير من خلاصة السرد التفصيلي لرواية بنسيون في الشّارع الخلفي لمؤلفها محمد فتحي المقداد, حيث عرفت الأستاذة سعاد بسناسي كيف تغوص في ثنايا الرواية في جزئها الأول, أين عرف تلخيصها قراءة قياسية و تعّطش القراء لمعرفة المزيد عن مجريات الرواية, أين سيتم التطرق خلال الجزء الأخير للتعرض للشخصيات التي لعبت دورا فعالا من خلال الأحداث المتضاربة التي نتركها لصاحبة المقاربة التأويلية السردية الأخت سعاد بسناسي.

للتذكير أن الكاتب والروائي السوري “محمد فتحي المقداد” نال “جائزة ناجي نعمان الأدبية” للعام الحالي 2025 عن روايته “بنسيون الشارع الخلفي”، وجاء تتويجه بالجائزة بعد منافسة لـ 4321 مشتركاً ومشتركة مثّلوا 92 دولة وبـ 41 لغة.

الشّخصيّات الرّئيسية في الرّواية:

الرّواية لا تركّز على شخصيّة واحدة بل ترسم لوحة جماعيّة من:
– الشّبّيحة الذين استغلّوا البيوت المهجورة
– الشّباب والفتيات الذين لجأوا إلى المساكنة في ظلّ غياب الأمان
– السّكّان المتروكون خلف الرّكام الذين يكابدون الجوع والذّل
– الرّاوي أو المراقب الذي ينقل الأحداث بواقعيّة نقديّة
– نزلاء البنسيون: كلّ منهم يمثّل شريحة من المجتمع السّوريّ—من المثقّف المنكسر، إلى اللاّجئ، إلى المرأة المهمّشة، إلى رجل الأمن.
– صاحب البنسيون: شخصيّة رمزيّة تمثّل السّلطة أو النّظام، يفرض قوانينه الخاصّة على النّزلاء.
– أبو عادل: أحد سكّان المخيّم القدامى، يمثّل الجيل الذي تمسّك بالقيم رغم الخراب، شاهد على التّحوّلات الأخلاقيّة، يثير الحنين والمرارة.
– رنا: فتاة شابّة تسكن في البنسيون، تجسّدُ الضحيّة التي تحوّلت إلى أداة للبقاء، تعكس هشاشة القيم أمام الجوع والخوف.
– سامر: شابّ هارب من الخدمة العسكريّة، يعيشُ مساكنة مع رنا، يرمز إلى التّمرّد على السّلطة والبحث عن مأوى، لكنّه يتورّط في الفساد.
– أبو نزار: شبّيح استولى على بيت مهجور، يمثّل السّلطة القمعيّة غير الرّسميّة، يفرض سطوته على السّكّان، يرمز لانهيار القانون.
– أمّ علاء: أرملة تعيش في البنسيون، تحاول الحفاظ على كرامتها وسط الفوضى، تمثّل صوت الضّمير النّسائيّ المقاوم.
– علاء: ابنها، مراهق ضائع، ضحيّة الحرب، يتورّط في السّرقة والتّعفيش، يرمز إلى جيل فقد البوصلة.
– الرّاوي: مراقب للأحداث، شبه خفيّ، ينقلُ الواقع بمرارة وحياد، يمثّل صوت الكاتب، ويطرح الأسئلة الأخلاقيّة الكبرى.

– تأثير الشّخصيّات في البناء الرّوائيّ:

– رنا وسامر: علاقتهما غير الشّرعيّة هي محور نقد اجتماعيّ، تكشف كيف تتحوّل العلاقات إلى أدوات للبقاء.
– أبو نزار: وجوده يخلق التّوتّر، ويجسّد السّلطة الفاسدة التي تفرض نفسها في غياب الدّولة.
– أمّ علاء: تمثّل المقاومة الصّامتة، وتحاول الحفاظ على القيم وسط الانهيار.
– الرّاوي: لا يتدخّل، لكنّه يسلّط الضّوء على التّناقضات، ويطرح الأسئلة دون إجابات جاهزة.

شخصيّة رنا في “البنسيون الخلفيّ” تستحقّ تأمّلًا عميقًا، لماذا؟ فهي ليست مجرّد فتاة تسكن في الظّل، بل تمثّل الأنثى السّوريّة المعذّبة بين الحرب والجسد، بين الحاجة والكرامة، بين المسكوت عنه والمُفصح عنه قسرًا.
– تحليل سيميائيّ-وجوديّ لشخصيّة رنا:
– البنية الظّاهرة:
رنا فتاة شابّة، جميلة، تسكن في البنسيون مع سامر، في علاقة مساكنة غير شرعيّة. تبدو في البداية كضحيّة، ثمّ تتحوّل تدريجيًّا إلى شخصيّة أكثر تعقيدًا، تتقن التّفاوض مع الواقع، وتعيد تعريف أنوثتها في ظلّ الحرب.
– المسكوت عنه في شخصيّة رنا:
1- الجسد كأرض محتلّة:
– جسد رنا ليس ملكًا لها، بل أصبح عملةً للتّفاوض: مع سامر، مع الشّبّيحة، مع الجوع.
– المسكوت عنه هنا هو الاغتصاب الرّمزيّ الذي تمارسه الحرب على الجسد الأنثويّ، دون أن يُسمّى اغتصابًا.
2- الأنوثة الممزّقة بين الرّغبة والنّجاة:
– رنا لا تعيش الحبّ، بل تعيش النّجاة عبر العلاقة.
– المسكوت عنه هو غياب الحقّ في الحبّ، في زمن صار فيه الجسد وسيلة للبقاء، لا للتّعبير.
3- العار الصّامت:
– رغم أنّها لا تُدان صراحة، إلاّ أنّ الرّواية تترك هالة من العار غير المنطوق حولها.
– هذا العار ليس من فعلها، بل من نظرة المجتمع، ومن صمت النّساء الأخريات.
4- الهويّة المهدورة:
– رنا لا نعرف أصلها، ولا خلفيّتها، ولا حلمها.
– المسكوت عنه هو محو الهويّة الأنثويّة في زمن الحرب، حيث تتحوّل المرأة إلى “وظيفة” لا إلى “ذات”.
– البعد النّفسيّ والوجوديّ:
– رنا تعيش الانفصال بين الذّات والجسد، فهي لا تملك أن تختار، بل تُختار لها.
– تعاني من الاغتراب الدّاخليّ، حيث لا تنتمي للمكان، ولا للعلاقة، ولا حتّى لنفسها.
– تمثّل الأنثى التي لم تُمنح فرصة أن تكون إنسانة كاملة، بل مجرّد “نجاة مؤقّتة”.
– تفسير رمزيّة رنا في الرّواية:
– المرآة المكسورة: أنوثة مشروخة، لا تعكس ذاتًا واضحة.
-الظّل: تعيش في الخلف، لا في الضّوء، كما عنوان الرّواية .
– النّافذة المغلقة: لا تطلّ على مستقبل، بل على جدار الخوف.
سؤال فلسفيّ يطرحه وجود رنا:
1- هل يمكن للمرأة أن تحافظَ على كرامتها في زمن يُجبرها على بيع جسدها للبقاء؟
2- وهل العار في الفعل، أم في الظّروف التي فرضت الفعل؟
هته الأسئلة حقيقةً تفتحُ بابًا بالغَ العمق، لأنَّ رواية “البنسيون الخلفيّ” ليست فقط عن شخصيّات تعيش الحرب، بل عن كائنات تمشي في الظّل، تحملُ أوجاعًا لا تُقال، وتعيش في مساحات المسكوت عنه أكثر ممّا تعيش في الواقع المعلن. وإذا أردنا تحليل المسكوت عنه في الشّخصيّات الأخرى، وربطه بأحداث الرّواية نجدُ الآتي:
المسكوت عنه في شخصيّات الرّواية:
2- سامر: الذّكر الممزّق بين الرّجولة والنّجاة،
الظّاهر: شابّ هارب من الخدمة العسكريّة، يعيشُ مساكنةً مع رنا، يبدو متمرّدًا.
المسكوت عنه:
– فقدان الرّجولة كقيمة أخلاقيّة: سامر لا يحمي، لا يبني، بل يختبئ خلف جسد رنا.
– الخوف من السّلطة: هروبه ليس بطولة، بل هروب من مواجهة الذّات.
– الذّنب الصّامت: يعلم أنّ علاقته برنا ليست حبًّا، لكنّه لا يملك بديلًا.
ارتباطه بالأحداث:
– مساكنته مع رنا تعكس تفكّك الأسرة والشّرعيّة.
– هروبه من الجيش يربطه بالانهيار الوطنيّ، حيث لم يعد الوطن يستحقّ الدّفاع.

3- أبو نزار: الشّبّيح الذي يسكن بيتًا ليس له.
الظّاهر: رجل قويّ، يفرض سلطته على البنسيون، يسرق، يهدد، يبتز.

المسكوت عنه:

– الخوف من السّقوط: رغم سطوته، يخاف من فقدان السّيطرة.
– الفراغ الدّاخليّ: لا يملك قضيّة، ولا حلم، فقط سلطة مؤقّتة.
– العار غير المعترف به: يعلم أنّه لصّ، لكنّه يلبس قناع “المنقذ”.
ارتباطه بالأحداث:
– استيلاؤه على البيوت المهجورة يجسّد التّعفيش كمنظومة أخلاقيّة مقلوبة.
– تهديده لرنا وسامر يكشف التّحوّل من حماية المجتمع إلى افتراسه.

4- أمُّ علاء: الأرملة التي تحاول النّجاة بالكرامة.
الظّاهر: امرأة مسنّة، تحاول الحفاظ على ابنها، ترفض المساكنة، تراقب بصمت.
المسكوت عنه:
– الحنين إلى زمن القيم: تتذكّر زوجها، بيتها، صلاتها.
– الخوف من الانهيار الأخلاقيّ لابنها: ترى علاء يتغيّر، لكنّها لا تملك منعه.
– العار الصّامت من الجيران: تخجل من الحديث عن ما يحدث في البنسيون.
ارتباطها بالأحداث:
– تمثّل الضّمير الأخلاقيّ المهزوم، الذي يرى ولا يقدر أن يغيّر.
– وجودها يخلق توازنًا بين الانهيار والمقاومة الصّامتة.

5- علاء : المراهق الذي فقد البوصلة

الظّاهر: ابن أمّ علاء، يتورّط في السّرقة، يتأثّر بالشّبّيحة، يضيع.

المسكوت عنه:

– غياب الأب كمرجعيّة: لا نموذج يحتذي به.
– الفراغ القيميّ: لا يعرف ما هو الصّح، ولا يملك من يرشده.
– التّمرّد الصّامت: يسرق لا لأنّه يريد، بل لأنّه لا يرى بديلًا.
ارتباطه بالأحداث:
– يمثّل جيل الحرب، الذي لم يعرف سوى القصف والجوع.
– تورّطه في السّرقة يعكس تحوُّل الأطفال إلى أدوات في منظومة الفساد.
5. الرّاوي: الصّوت الذي يرى ولا يتدخّل.
الظّاهر: ينقل الأحداث بواقعيّة، لا يتدخّل، لا يحكم.
المسكوت عنه:
– الألم الدّاخليّ: يرى كلّ شيء، لكنّه عاجز عن الفعل.
– الذّنب المعرفيّ: يعرف الحقيقة، لكنّه لا يملك سلطة التّغيير.
– الحنين إلى وطن مفقود: كلّ وصف يحمل نبرة فقد.
ارتباطه بالأحداث:
– يمثّل ضمير الكاتب، الذي يكتب ليشهد، لا ليحاكم.
– وجوده يخلق مسافة بين القارئ والحدث، تسمح بالتّأمّل دون انفعال مباشر.
خلاصة رمزيّة: كلُّ شخصيّة في “البنسيون الخلفيّ” تعيشُ في مساحةً من العار، الخوف، الذّنب، أو الحنين، لكنّها لا تملكُ لغة للتّعبير. ولعلَّ المسكوت عنه ليس فقط في الأفعال، بل في الغياب الكامل للمنظومة التي كانت تمنح المعنى: الأسرة، الدّين، الوطن، القانون.
رمزيّة العنوان:

“البنسيون الخلفيّ” يشير إلى:

– الأماكن المتوارية عن أعين الأمن والرّقابة،
– الشّوارع الخلفيّة التي تحتضن النّشاطات المشبوهة،
– الجانب المظلم من المجتمع الذي لا يُرى ولا يُقال.
الثّيمات الرّئيسيّة في الرّواية:

– الاغتراب والهويّة: يعيشُ النّزلاء في حالة من التّيه، يبحثون عن معنى لحياتهم وسط واقع مضطرب.
– السّلطة والقمع: يظهر تأثير النّظام السّياسيّ على الأفراد، سواء من خلال الرّقابة أم الخوف أو التّهميش.
– الذّاكرة والحنين: يسترجع الرّاوي وأبطال الرّواية ذكرياتهم، في محاولة لفهم الحاضر من خلال الماضي.
– المرأة والحريّة: تتناول الرّواية وضع المرأة في المجتمع، بين القهر والرّغبة في التّحرّر.
الأسلوب الأدبيّ في الرّواية:

– لغة الرّواية: تجمع بين البساطة والعمق، وتستخدم الرّمزيّة بشكل ذكيّ دون أن تفقد الواقعيّة. مع لمسات لهجيّة واضحة قد تربك لغة الرّواية في بعض المقاطع.
– السّرد: غير خطّي، يعتمد على التّنقّل بين الأزمنة والأحداث، ممّا يعكس تشظّي الوعي لدى الشّخصيّات.
– الحوار: يعكس التّوتّر الدّاخليّ والخارجيّ، ويكشف عن طبقات الشّخصيّة دون مباشرة.
رمزيّة “البنسيون الخلفيّ”:
– يمثّل البنسيون فضاءً مغلقًا يعكس المجتمع السّوريّ في لحظة انهيار أو إعادة تشكيل.
– الخلفيّة تشير إلى ما هو مخفيّ أو مهمّش، سواء في السّياسة أم في النّفس الإنسانيّة.
– النّزلاء هم “المنفيّون داخليًّا”، يعيشون في وطنهم لكنّهم غرباء فيه.
– فهم البنية الرّمزيّة واللّغويّة في رواية البنسيون الخلفيّ،بين التّحليل السّرديّ والتّأويل الفلسفيّ، تفتح أفقًا غنيًّا في موضوع: (المسكوت عنه والمضمر) تناولته في كتاب: المضمر في الملفوظ السّرديّ طبع بالأردن 2024 ط1، سعاد بسناسي، وبعض البحوث ذات الصّلة بالموضوع.
– المسكوت عنه: هو ما يُقصى من الملفوظ، لكنّه يحضر عبر التّلميح، الإيحاء، أو التّوتّرات النّصيّة. في الرّواية، قد يتجلّى في القضايا السّياسيّة أو الاجتماعيّة التي لا تُقال صراحة، بل تُلمّح عبر الشّخصيّات أو الأحداث.
– المضمرات: هي البُنى العميقة التي تسكن خلف الملفوظ، وتشكّل دلالته التّأويليّة. وترتبط المضمرات بالنّيّة، السّياق، والبعد الثّقافيّ، وتُستخرج عبر القراءة التّأويليّة. ومن خلال تطبيق المنهج التّأويليّ السّرديّ وفقًا لما تمّ تحليله من نماذج في الرّواية، يمكن تحديد ثلاثة مستويات لقراءة المضمرات:
1/ اللّغويّ-الملفوظيّ: تحليل البنية اللّغويّة للخطاب السّرديّ، استخدام لغة التّهكّم أو التّورية في وصف الشّخصيّات الهامشيّة.
2/ السّيميائيّ-الرّمزيّ: قراءة الرّموز والعلامات في النّص “البنسيون الخلفيّ” كمكان رمزيّ للهامش، للمنفى الدّاخليّ.
3/ الأنطولوجيّ-الوجوديّ: تأويل التّجربة الإنسانيّة في النّص صراع الشّخصيّات مع العزلة، الاغتراب، والهويّة .
المسكوت عنه في الرّواية:

– الجنسانيّة المقموعة: تظهر في المساكنات والعلاقات غير الشّرعيّة، لكنّها لا تُناقش أخلاقيًّا بل تُعرض كواقع مفروض.
– السّلطة الغائبة/الحاضرة: النّظام لا يظهر مباشرة، لكنّه حاضر في الخوف، الرّقابة، والخراب.
– المرأة كجسد/رمز: تُستخدم الأنثى كوسيلة للبقاء، دون أن يُمنح لها صوت واضح أو سرد ذاتيّ.
– الهويّة الممزقّة: الشّخصيّات لا تملك جذورًا واضحة، تعيش في حالة من التّيه والاغتراب.
– العلاقة بين المسكوت عنه والمضمرات وفقًا لمنهج مضمرات الملفوظ، فإنّ الرّواية تبني معناها من خلال:

-الملفوظ: ما يُقال صراحة، وصف البنسيون، العلاقات، الأحداث اليوميّة.
-المضمر: ما يُفهم ضمنًا، الخوف، العار، الذّنب، الانهيار الأخلاقيّ.
– المسكوت عنه: ما يُقصى أو يُلمّح إليه، القمع السّياسيّ، فقدان الوطن، انهيار القيم.
)الرّواية لا تُصرّح، بل تُلمّح. لا تُدين، بل تُعرض. وهذا ما يجعل القارئ شريكًا في التّأويل، يبحث عن المعنى في الفراغات، في الصّمت، وفي التّناقضات).
– الرّاوي كضمان تأويليّ: يمنح القارئ مفاتيح لفهم الشّخصيّات دون أن يفرض تفسيرًا.
– الزّمن السّرديّ المتشظّي: يعكس تفكّك الوعي، ويُتيح للمسكوت عنه أن يظهر عبر الاسترجاع والتّقطيع.
– الرّموز السّرديّة: مثل “الشّارع الخلفيّ”، “الغرفة”، “النّافذة”، كلّها تحمل دلالات مضمرات الهويّة، العزلة، والانكسار.
خلاصة تأويليّة: (رواية البنسيون الخلفيّ هي نصٌّ يُمارس التّعتيم والتّلميح، ويُراهن على قدرة القارئ في استخراج المضمرات من الملفوظ، وفهم المسكوت عنه من خلال ما لا يُقال. إنّها رواية عن النّجاة في زمن الانهيار، وعن الإنسان الذي يعيش في الظّل، ويبحث عن ذاته في مرايا مكسورة.

الخاتمة: ختامًا نقول:

الانهيار ليس دائمًا نفيًا للمعنى، بل قد يكون شرطًا لإعادة بنائه.
رواية البنسيون الخلفيّ لمحمّد فتحي المقداد، رغم هيمنة سرديّة الانهيار فيها، لا تُغلق الباب أمام التّأويلات الإيجابيّة، بل تترك شقوقًا في الجدار تسمح بمرور الضّوء.
في الظّاهر:
– الشّخصيّات تعيش في عزلة، مساكنة، خوف، واغتراب.
– البنسيون فضاء مغلق، خلفيّ، يرمز إلى التّهميش والانكسار.
– المسكوت عنه مشحون بالعار، القمع، والخراب الأخلاقيّ.
لكن نقول:

التَّأويلات الإيجابيّة الممكنة:

1. الانهيار كشرط للوعي: حين تنهار القيم الزّائفة، يبدأ الإنسان في مساءلة ذاته.
رنا مثلًا، رغم علاقتها المأزومة، تبدأ في إدراك هشاشتها، وتفكر في الخروج من الدّائرة.
2. البنسيون كفضاء للنجاة المؤقّتة: رغم سوداويته، البنسيون يمنح الشّخصيّات مأوى، فرصة للتّفكير، مساحة للبوح.
حتّى العلاقات غير الشّرعيّة تُقرأ أحيانًا كبحث عن دفء إنسانيّ مفقود.
3. الراوي كصوت تأمّليّ لا يدين: الرّاوي لا يُصدر أحكامًا، بل يترك المجال للتّأويل، ممّا يمنح القارئ فرصة لرؤية ما وراء الانهيار.
هذا الحياد السّرديّ هو بذرة أمل في استعادة المعنى.
4. المرأة ككائن مقاوم رغم القهر: أمّ علاء، رغم فقرها، تحاول الحفاظ على كرامتها.
رنا، رغم استخدامها، لا تستسلم بالكامل، بل تُظهر لحظات وعي ورفض.
5. اللّغة السّرديّة كفعل مقاومة: الرّواية نفسها، بوصفها شهادة، هي فعل مقاومة للطّمس والنّسيان. مع ضرورة مراجعة اللّغة بشكل دقيق لترتقي بموضوعها وانشغالها الفنيّ والمعرفيّ.
الكتابة عن المسكوت عنه هي محاولة لاستعادة الصّوت، والكرامة، والذّاكرة.
ختامًا: إنّ رواية “بنسيون في الشّارع الخلفيّ” ليس فقط سرديّة انهيار، بل أيضًا سرديّة ما بعد الانهيار. إنّه نصٌّ يُظهر كيف يمكن للإنسان أن يعيش في الظّل، لكنّه لا يفقد كليًّا قدرته على الحلم، أو على التّأمّل، أو على قول “لا” بصوت خافت.

    الجزء الأخير

The post المضمر والمسكوت عنه في رواية “بنسيون في الشّارع الخلفي…مقاربة تأويلية سردية -الجزء الأخير- appeared first on المقال.

]]>
المضمر والمسكوت عنه في رواية “بنسيون في الشّارع الخلفي…مقاربة تأويلية سردية https://elmakal.dz/2025/08/03/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b6%d9%85%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%83%d9%88%d8%aa-%d8%b9%d9%86%d9%87-%d9%81%d9%8a-%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d9%86%d8%b3%d9%8a%d9%88%d9%86-%d9%81%d9%8a/ Sun, 03 Aug 2025 12:27:23 +0000 https://elmakal.dz/?p=26153 الأكاديمية الجزائرية أ.د سعاد بسناسي جامعة وهران 1 عضو. المجلس الأعلى للغة العربية، مديرة مخبر اللهجات ومعالجة الكلام، رئيسة أكاديمية الوهراني الجزء الأول: قبلَ البدءِ أقولُ: (الحياةُ رقصةُ ظلٍّ ونورِ، فيها ما يُقال وما لا يُقال، ما يُرى وما يُحسّ؛ هي مرآةٌ تُحدّق فينا بوجوهٍ لا تُحصى، وفي صمتها همسُ المعنى لمن يُنصت بقلبٍ لا […]

The post المضمر والمسكوت عنه في رواية “بنسيون في الشّارع الخلفي…مقاربة تأويلية سردية appeared first on المقال.

]]>

الأكاديمية الجزائرية أ.د سعاد بسناسي جامعة وهران 1 عضو. المجلس الأعلى للغة العربية، مديرة مخبر اللهجات ومعالجة الكلام، رئيسة أكاديمية الوهراني
الجزء الأول:

قبلَ البدءِ أقولُ: (الحياةُ رقصةُ ظلٍّ ونورِ، فيها ما يُقال وما لا يُقال، ما يُرى وما يُحسّ؛ هي مرآةٌ تُحدّق فينا بوجوهٍ لا تُحصى، وفي صمتها همسُ المعنى لمن يُنصت بقلبٍ لا بعين)…سعاد بسناسي.

نسيرُ في دروبها كأنَّنا ننسجُ من لحظاتها خيوطًا من سؤالٍ ودهشة، نرتشفُ من عذاباتها شرابًا يكشف السّترَ عن وجهِ الحكمةِ، ونبتسمُ حين نكتشفُ أنَّ الجُرحَ ما كان إلاَّ نداءً للاستيقاظ.
كلّ ما حولنا يبوح،
وإن تظاهر بالصّمت،
الرّيحُ حوارٌ، والغيمُ قصيدةٌ من حنينٍ غابر، والحَجَرُ حكمةٌ مطويّةٌ في كتاب الزّمن.

فما الحياة إلاّ مجلى لمعاني تتقلّب بين التجلّي والحجاب، بين البوح والإشارة… ومن تذوّقها بلُبّه لا بعقله، أدرك أنّ كلّ شيء فيها يُشير إلى شيء أبعد، وأنّ المسكوت عنه أبلغ من المُعلن إن أُصغي له من مقام الصّفاء).
اسمحولي وإن أطلتُ قبل البدء، فليس ذلك إلاّ لأنّ قبل البدء بدءٌ ظاهرٌ ومضمرٌ وبينهما مسكوتٌ عنه خفيٌّ خلفيٌّ كما في بنسيون في الشّارع الخلفيّ….

1- الفروق الدّقيقة في المعجم العربيّ بين (الفندق، والنّزل، والبنسيون) تتطلّبُ أن نتوقّف عندها، حيث تتداخل الدّلالات بين الأصل اللّغويّ والاستخدام المعاصر، وتكمن الفةارق في الآتي:

أ- الفندق: الأصل اللّغويّ: كلمة “فندق” معرّبة من اليونانيّة “πανδοχεῖον” (pandocheion)، عبر اللّغات الأوروبيّة، وتعني مكانًا يستقبلُ الجميع.
– الدّلالة المعاصرة:
– مكانُ إقامةٍ مؤقّت للسّياح والمسافرين.
– يتّسمُ عادةً بالفخامةِ أو التّنظيم التّجاريّ.
– يقدّمُ خدماتٍ متعدّدةٍ: غرف، مطاعم، استقبال، أحيانًا مرافق ترفيهيّة.
– الطّبقات الاجتماعيّة: يرتبطُ غالبًا بالطّبقة الوسطى فما فوق، ويُستخدم في السّياقات الرّسميّة والسّياحيّة.

ب- النُزُل: الأصل اللّغويّ: من الجذر “نزل”، أي أقام أو حلّ بمكان. ورد في القرآن الكريم: “نُزُلًا من غفورٍ رحيم”.
– الدّلالة المعاصرة:
– مكانُ إقامةٍ بسيطٍ، غالبًا ما يكون أرخص من الفندق.
– يُستخدمُ أحيانًا للإشارة إلى بيوت الشّباب أو أماكن إقامة جماعيّة.
– قد لا يقدّم خدمات فاخرة، بل يركّز على الوظيفة الأساسيّة: المبيت.
– الطّبقات الاجتماعيّة: يرتبطُ بالبساطة، ويُستخدمُ في السّياقات الأدبيّة أو الرّسمية التي تميل إلى الفصحى.

ت- البنسيون: الأصل اللّغويّ: كلمة فرنسيّة pension، دخلت العربيّة عبر الموجات الاستعماريّة أو التّبادل الثّقافيّ.
– الدّلالة المعاصرة:
– مكان إقامة صغير، غالبًا تديره عائلة أو أفراد.
– يقدّم غرفًا للإيجار، أحيانًا مع وجبات منزليّة.
– يُستخدم في المدن الصّغيرة أو الأحياء القديمة، وله طابع حميميّ.
– الطّبقات الاجتماعيّة: يرتبط بالطّبقة المتوسّطة أو المحدودة، ويُستخدم في اللّهجات أو السّياقات غير الرّسميّة.
رواية “بنسيون الشّارع الخلفيّ” للرّوائيّ السّوريّ محمّد فتحي المقداد هي عملٌ أدبيٌّ جريءٌ ومؤلمٌ، يكشفُ المسكوت عنه في المجتمع السّوريّ خلال سنوات الحرب، تسلّطُ الرّواية الضَّوء على التَّحوُّلات الاجتماعيّة والأخلاقيّة التي فرضتها الحرب السّوريّة، من خلال تصوير واقع مخيّم اليرموك بعد تهجير سكّانه، حيث تحوّل إلى مسرح لانتهاكات متعدّدة:

– المساكنة غير الشّرعيّة بين الشّباب والفتيات دون رابط قانونيّ أو دينيّ
– التّعفيش وسرقة البيوت من قبل الشّبّيحة (كلمة “التّعفيش” في سياق النّزاعات المسلّحة تعني نهب وسرقة محتويات المنازل والممتلكات الخاصّة في المناطق التي تشهد صراعًا أو أصبحت خالية بسبب النّزوح. ويُشير مصطلح “التّعفيش” تحديدًا إلى سرقة الأثاث المنزليّ…)
– تفكّك القيم الأخلاقيّة والدّينيّة
– القتل، القصف، الاعتقال، الجوع، وأكل الحشائش للبقاء على قيد الحياة.
رواية “البنسيون الخلفيّ” هي عملٌ أدبيٌّ يعكسُ الواقع الاجتماعيّ والسّياسيّ في سوريا من خلال عدسة سرديّة تجمع بين الواقعيّة والرّمزيّة. يحملُ العنوان دلالة رمزيّة؛ ـ”البنسيون” مكان إقامة مؤقّت، و”الخلفيّ” يوحي بالعزلة أو التّهميش، ممّا يعكس حال الشّخصيّات أو المجتمع الذي تصوّره الرّواية.

– المكان: تدور أحداث الرّواية في بنسيون يقع في أحد الأحياء الدّمشقيّة، ويضمّ مجموعة من الشّخصيّات المتنوّعة، كلّ منها يحمل قصّة ومأساة.

– الزّمن: يمتدّ السّرد عبر مراحل مختلفة من التّاريخ السّوريّ، مع التّركيز على التّحوّلات السّياسيّة والاجتماعيّة التي أثّرت على حياة النّاس.

يتبع

The post المضمر والمسكوت عنه في رواية “بنسيون في الشّارع الخلفي…مقاربة تأويلية سردية appeared first on المقال.

]]>
الظل كهوية شعرية “من الغياب إلى التجلي”…قراءة في تجربة سعاد بسناسي من ديوانها ظلال لا تشبهني https://elmakal.dz/2025/07/29/%d8%a7%d9%84%d8%b8%d9%84-%d9%83%d9%87%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d8%b4%d8%b9%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%8a%d8%a7%d8%a8-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ac%d9%84%d9%8a/ Tue, 29 Jul 2025 06:00:08 +0000 https://elmakal.dz/?p=26087 في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتتشابه، تأتي تجربة سعاد بسنّاسي لتُعلن عن نفسها من جهة الظل، لا الضوء، ومن جهة الغياب، لا الحضور. ديوانها الشعري “ظلال لا تشبهني” ليس مجرد نصوصٍ تُقرأ، بل كائنٌ رمزيٌّ يتصوّف، يُعيد للقصيدة وظيفتها الأصلية: أن تكون كشفًا، لا وصفًا، وأن تُعيد تشكيل الذات عبر ما لا يُقال. اللغة ككائنٍ […]

The post الظل كهوية شعرية “من الغياب إلى التجلي”…قراءة في تجربة سعاد بسناسي من ديوانها ظلال لا تشبهني appeared first on المقال.

]]>
في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتتشابه، تأتي تجربة سعاد بسنّاسي لتُعلن عن نفسها من جهة الظل، لا الضوء، ومن جهة الغياب، لا الحضور. ديوانها الشعري “ظلال لا تشبهني” ليس مجرد نصوصٍ تُقرأ، بل كائنٌ رمزيٌّ يتصوّف، يُعيد للقصيدة وظيفتها الأصلية: أن تكون كشفًا، لا وصفًا، وأن تُعيد تشكيل الذات عبر ما لا يُقال.

اللغة ككائنٍ رمزيٍّ

في هذا الديوان، تتخلّى اللغة عن دورها التواصلي، لتتحوّل إلى كائنٍ رمزيٍّ موارب، يُراوغ المعنى، ويُغوي القارئ نحو مناطق لا تُرى إلا بالبصيرة. الكلمات تُستخدم لا لتُفصح، بل لتُوحي، لتُضلّل، لتفتح أبوابًا للتأويل لا تُغلق.

تتوارى الضمائر، والأفعال تتخلخل، والصور تنزاح عن مركزها، لتُعيد تشكيل علاقة القارئ بالنص. إنها كتابةٌ تُراهن على المضمرات، وتُراهن أكثر على القارئ ككاشفٍ لا كمُفسّر.

في ديوان “ظلال لا تشبهني” أول مجموعة شعرية في طبعتها الأولى 2025، لا نقرأ قصائد بقدر ما نُصغي إلى همساتٍ تتسلل من تخوم الذات، حيث اللغة لم تعد وسيلةً للتعبير، بل طقسًا للانكشاف. هنا، لا تتكلم الشاعرة المبدعة سعاد بسناسي من مركزٍ ثابت، بل من مناطق الظل، من تلك الهوية التي تتشكل وتتفكك في آن، وتُعيد تشكيل نفسها عبر استعاراتٍ صوفية، موحية، متوارية، لكنها مشبعة بالحضور.

هذا الديوان ليس مجرد تجربة شعرية، بل هو مخطوطٌ روحيّ، يُعيد للكتابة وظيفتها الأصلية: أن تكون كشفًا، لا وصفًا. أن تكون سؤالًا في هيئة قصيدة، لا إجابةً منمقة. وبين كل بيتٍ وآخر، تتسلل المضمرات، وتتكشف المسكوتات، وتُعيد القارئ إلى ذاته، لا ليجدها، بل ليتأمل كيف تتكلم حين لا تُشبه نفسها.

فهل تُشبهنا ظلالنا حين نكتب؟ وهل الكتابة إلا محاولةٌ للنجاة من تشابهٍ لا نريده؟ في هذا المقال، نقترب من ديوان “ظلال لا تشبهني”، لا لنفك شفراته، بل لنُصغي إلى ما وراءها.
إن روح ديوان “ظلال لا تشبهني”، يُبرز خصوصيته الجمالية والفكرية. ظلال لا تشبهني: الكتابة من جهة الغياب في هذا الديوان، لا تتكلم الشاعرة سعاد بسناسي من مركزٍ لغويٍّ مألوف، بل من هامشٍ وجوديٍّ تتخلله الأسئلة، وتُضيئه الشكوك. القصيدة هنا ليست بناءً بل تفكيك، ليست حضورًا بل تجلٍّ لما لا يُقال. كل نصٍّ هو محاولةٌ لتجاوز اللغة نحو ما قبلها، أو ما بعدها، حيث الظلّ لا يُعرّف، بل يُلمَح.

الذات المتكلمة ليست ذاتًا مستقرة، بل هويةٌ صوفيةٌ متحوّلة، تتكلم من خلال استعاراتها، وتُعيد تشكيل نفسها عبر الغياب. إنها ذاتٌ تُدرك أن التشابه خيانة، وأن الظلال هي المساحة الوحيدة التي يمكن أن تُكتب فيها الحقيقة دون أن تُقال.

اللغة ككائنٍ صوفيٍّ…من البيان إلى الإيحاء

اللغة في هذا الديوان ليست أداةً للتوصيل، بل كائنٌ رمزيٌّ يتصوّف. الكلمات تُستخدم لا لتُفصح، بل لتُوحي، لتُضلّل، لتُغوي القارئ نحو مناطق لا تُرى إلا بالبصيرة. هناك اقتصادٌ في القول، وكثافةٌ في الإشارة، تجعل من كل بيتٍ شعريٍّ فضاءً للتأويل، لا للشرح.

الضمائر تتوارى، والأفعال تتخلخل، والصور تنزاح عن مركزها، لتُعيد تشكيل علاقة القارئ بالنص. إنها كتابةٌ تُراهن على المضمرات، وتُراهن أكثر على القارئ ككاشفٍ لا كمُفسّر.
الهوية كظلٍّ: من الذات إلى التجلّي

في “ظلال لا تشبهني”، لا تُقدّم الشاعرة ذاتًا متكلمة، بل تجلّياتٍ متفرقة، تتكلم من خلال الغياب، وتُعيد تعريف الهوية بوصفها سيرورةً لا جوهرًا. كل قصيدة هي محاولةٌ للنجاة من التشابه، من التكرار، من التسمية. إنها كتابةٌ تُدرك أن الذات لا تُعرّف إلا بما تُخفيه، وأن الظلّ هو الشكل الوحيد الذي يمكن أن يحتويها دون أن يُقيدها.
المسكوت عنه كأفقٍ تأويليّ:

ما لا يُقال في هذا الديوان هو ما يُشكّل بنيته الأعمق. هناك صمتٌ كثيفٌ يملأ الفراغات بين الكلمات، ويُعيد تشكيل المعنى من جهة الغياب. هذا الصمت ليس نقصًا، بل استراتيجيةٌ تأويليةٌ، تُعيد للقارئ دوره ككاشفٍ، لا كمُتلقي.

القصائد تُراهن على اللا-مباشر، على اللا-مُفصح، وتُعيد تشكيل العلاقة بين النص والقارئ بوصفها علاقةً روحية، لا معرفية فقط.

الكتابة كنجاة

ديوان “ظلال لا تشبهني” للشاعرة سعاد بسناسي ليس مجرد تجربة شعرية، بل هو طقسٌ وجوديٌّ، تُعيد فيه الشاعرة تعريف الكتابة بوصفها نجاةً من التشابه، ومن التكرار، ومن اللغة ذاتها. إنه ديوانٌ يُكتب من جهة الظل، ويُقرأ من جهة البصيرة، ويُعيد للقارئ حقّه في أن يُفسّر، لا أن يُفهم فقط.

في زمنٍ تُغرقنا فيه الكلمات، تأتي هذه الظلال لتُذكّرنا أن ما لا يُقال هو أعمق مما يُقال، وأن الكتابة الحقيقية لا تُشبهنا، بل تُشبه ما نطمح أن نكونه.

The post الظل كهوية شعرية “من الغياب إلى التجلي”…قراءة في تجربة سعاد بسناسي من ديوانها ظلال لا تشبهني appeared first on المقال.

]]>