
من “صيف سياحة الذاكرة” زرت مسجدا جديدا بعين البية (اللبؤة انثى الأسد) التي سكنتها سابقا بحكم انتماء زوجتي وظيفيا بشركة سوناطراك، وهي التي أوصتني بالسعي مع جماعة من الذين يشتغلون معها من أجل بناء مسجد بحيهم -وهو من من أحياء عين البية- زمن إدارة الشيخ بلقوت حسين المدير السابق للشؤون الدينية والأوقاف بولاية وهران ، وبفضل دعم الشيخ بلقوت وحرص لجنة المسجد ومن أعضائها من توفاه الله رحمهم الله تم بناء هذا المسجد .
صادفت زيارتي صلاة المغرب، وبعد انتهاء الإمام من صلاته -وكالعادة في الجزائر منذ ثلاثين سنة من يقرأ الباقيات الصالحات سرا ومن مساجدنا وزوايانا من يستغفر ويحمد ويصلي على النبي عليه السلام جهرا كما هو موروث عن الأجداد، ومنهم من يقرا صلاة الفاتح -.
في كل الأحوال الباقيات الصالحات يحافظ عليها من يبقى جالسا بعد التسليم أو يقرأ ذلك في سره وهو يهم بالخروج من المسجد، لكني تفاجأت بالإمام يقوم غاضبا معلنا بالإسم والإشارة إلى رئيس لجنة المسجد أنه لا يوثق فيه ويخون الأمانة ويتلاعب بالفواتير ويطلب من المصلين عدم إعطائه التبرعات ، والمشار اليه جالس يسمع, ونحن أصابنا الهلع من هذا الموقف في بيت الله وتوجيه الاتهام مباشرة لشخص يصلي خلف الامام واراد المتهم أن يرد الاتهام ويوضح ولم يسمح له الامام، وقال له: “تحدث خارج المسجد”ودخل مقصورته.
ترددت في التدخل لتهدئة ما يفسد الثقة في اللجنة او الامام ولأني أعرف قليلا هذا الصراع والخلاف في مئات المساجد بين لجانها وأئمتها، والسبب الغالب إما ان اللجنة تريد الامام على المقاس أو بسبب الأموال والتبرعات .
وتحدث لنا رئيس اللجنة انه يوثِّق كل شيء وان الامام طلب منه مبلغا لاصلاح المايضة ورفض رئيس اللجنة ذلك، وان التبرعات مخصصة لشراء المكيفات، وان الإمام يريد ان يعرف المحسنين الذين يقدمون مبالغ معتبرة ويفضلون ان يبق ذلك في الكتمان ولا يعرف الاخرون ماتنفق يمينهم قصد الثواب.
لا أطيل عليكم مساجدنا حلبة صراع واتهامات وكلما استمر وضع عدم ضبط مسائل التبرعات المالية وتحرير الإمام من ربقة تبعات شبهات المال وتقنين جديد للجان المساجد يصبح معنى الآية (ومن أظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) إن خرابها هو فقدان روحانيتها وهيبة الإمام ، و(المنع) هنا أن يذكر فيها اسم آخر (استعمال الدين في المصالح الشخصية ) والتهافت وراء المنافع الدنيوية وطلب الجاه وغيرها من السلوكات المشينة التي تستفحل في بيوت الله.
هكذا علينا اليوم أن نفهم (المنع) و(الخراب) في هذه الآية، وأن الخشوع والخشية والصفاء ورفع الأذى عن طرقات المساجد ومنها الأوساخ ، والحفاظ على طاقة الكهرباء والماء في بيوت الله هي من تمام الصلاة لأن ذلك السلوك المشين (فحشاء)، وما يكون ضد هذا الفحش والمنكر هو من الباقيات الصالحات.