ما قل ودل

المغرب العربي…مِيراث الشّقاق و”نُخب المَخزن”

تمثال و صورة تقريبية لعبد المؤمن بن علي الكومي الجزائري

شارك المقال

نظمت مؤخراً (كان ذلك سنة 2009) مؤسّسة التميمي للبحث العلمي والتواصل من تونس بالتعاون مع جامعة عبد المالك السّعدي بتطوان ملتقى مغاربياً حول “تكلفة اللاّمغرب”، وقد أقامت مؤسسّة التميمي لقائين في نفس الموضوع بتونس، (حضرته برفقة المرحوم بوعلام بلقاسمي) وكان المؤرخ عبدالجليل التميمي يسعى لتنظيم اللقاء الثالث في الجزائر.

وصرّح أن الوعود من طرف الذين التزموا له بذلك لم تحقّق ويأمل أن يكون اللقاء الرابع في الجزائر أو باقي دول المغرب العربي حتى لا يُفهم أنّ مسألة المغرب العربي تعني المملكة المغربية في سعيها لفتح الحدود والانتصار دبلوماسياً في قضية الصحراء الغربية.

ولقد دُعيت إلى هذا اللقاء العلمي فكان التردّد في الذهاب خوفاً من استغلال ذلك لانتصار الطرح المغربي في مسائل الصحراء الغربية وقضية الحدود بين البلدين وتجريم الجزائر في كونها وراء فشل المساعي من أجل بناء مغرب عربي موحّد كما يردّد ذلك الرسميون وبعض المثقفين والإعلاميين.

غير أن موضوع الندوة “دور الجامعات والبحث العلمي في وحدة المغرب العربي” شجّعني وقلت في قرارات نفسي الموضوع علمي وبالفعل كان ذلك ماعدا طبعاً بعض المداخلات التي ردّدت الخطاب المستهلَك من طرف السلطة المغربية تجاه الجزائر.

كما أننا أثناء اللقاء سعينا جهداً بالتعاون مع باحثين آخرين لجعل الخطاب العلمي الهادئ هو المسَيطر بدل الخطاب التبسيطي للمسائل وتقاذف التهم والدخول في مهاترات بعض الإعلاميين والسياسيين.

وكان أوّل شيء اقتنيته من مطار الدار البيضاء شراء كتاب الوزير الأول الأسبق ووزير الخارجية للمغرب من 1971 إلى 1972 عبداللطيف الفيلالي عنوانه: “المغرب والعالم العربي” الذي نُشر باللغتين الفرنسية والعربية ووزّع بشكل واسع في المغرب وتزامن بيعه مع التصريحات التي أدلى بها لقناة الجزيرة في برنامج “زيارة خاصة”.

كتاب عبد اللطيف الفيلالي حين قرأته وخصوصاً الفصل المتعلّق بالجزائر تذكّرت قول الرسول عليه السلام “شرّكم من طَال عمُره وساء خُلُقه” فاستبدلت “سَاء خلقه” بلفظ “ساء قوْلُه”.

وفي كتاب أحد رجالات المخزن المغربي المعاصر من السّيئات والإفك العظيم ما يبين أنّ الدبلوماسية المغربية تأسّست على المناورة كما تفعل اليوم حينما تثير الّلغط حول “فتح الحدود” ; وكأن مأزق المغرب العربي هو في الحدود التي تصرّ الجزائر ـ في نظرهم ـ على إبقائها مغلقة والقصدُ طبعاً تحويل النظر عن القضيّة الأساسية.

إنّ “الميراث الثقيل” من خلفيات فكرية وتاريخية تُجاه الجزائر من طرف الأشقاء المغاربة يشكل عائقاً حقيقياً في التواصل وفي التقدم إلى الأمام، ومن المشاكل المثارة أيضاً إثارة مسائل التعويض عن ممتلكات المغاربة بالجزائر وتشجيعهم على التظاهر.

كما أنّ تشجيع الجمعيات التي تطالب بالحق التاريخي كما تدّعي في أراض جزائرية مثل تلمسان وتندوف وتوات يزيد من حالات التباعد وشحن ذاكرة العداء، ففتح الحدود الحقيقي هو في فتح قنوات التواصل وتجفيف منابع العداء سواء على المستوى الإعلامي أو الثقافي أو السياسي.

فمثل بعض المهاترات التي جاء بها الفيلالي لا تختلف عن ما يكتب في بعض الصحف المغربية أو ينشر في كتب جيبيه شعبية، فالكتاب الذي قدّم له وزير سابق للشؤون الخارجية الفرنسية هوبير فيدرين ينطلق من مسلمة “أن تاريخ المغرب يختلف عن تاريخ باقي العالم العربي”.

والمغرب هنا طبعاً هو المغرب الأقصى أو بلاد مراكش بلغة المؤرخين وهي مركزية مهيمنة على جلّ الكتابات التاريخية وبهذا بقع السّطو على دولة المرابطين والموحدين وحتى الزيانيين في تلمسان،، وأثناء حديثه يتعرض إلى المقّري ومعمري شخصيتان لعبا دوراً سلبياً في الولاء لفرنسا في المغرب.

وكان من بين مستشاري مولاي يوسف ويصرّ على أصلهم الجزائري والغمز هنا واضح (وهو ما ردّده في رمضان الأخير المؤرخ الإعلامي محمد الصديق معنينو في حلقاته تاريخنا)، في حين أنّ آخرين مغاربة وطنيون من أصل جزائري كذلك، ولماذا يسْكت عن الأصل الجزائري لمؤسّس دولة الموحدين عبد المؤمن بن علي الكومي.

وقد ذكرني ذلك ببعض الدراسات التاريخية المغربية التي تؤرخ للطاعون والأوبئة وتجد لذّة في ترديد جملة “وقد أتى الطّاعون من الجزائر” والإيحاء هنا واضح، أما قوله أن الجزائر لم يكن لها أيّ وجود فليست جديدة فقد قال بها عبدالله العروي وغيره وهي مسألة تتردّد في مجال المقارنة مع السلطة المغربية كونها تاريخية منذ عصر المرابطين أو أبعد من ذلك منذ العهد الإدريسي.

كما أنّ عقيدة المركز والأطراف هي ما يجعل المثقفين المغاربة أسرى لتصوراتهم التي سجنتهم وتحرمهم من التواصل مع الجزائر على المستوى الرسمي، وهناك حكاية يكشفها لأول مرّة وهو أن الكلونال أوفقير وإدريس بن اعمر زحفا على وهران ومنعهما الحسن الثاني في حرب الرّمال التي تكبّد فيها الجيش الجزائري الخارج من حرب مع فرنسا، وهي بداية الصراع القديم ـ

الجديد بين المغاربة والجزائريين وهنا المخزن واحد سواء في تخلّيه عن الأمير عبدالقادر وإمضاء معاهدة تنصّ على طرد الجزائريين المقاومين مع بداية احتلال فرنسا للجزائر أو بعد خروجه منها، وما قضية الصحراء إلا جزء من اللاتواصل بين المغرب والجزائر.

للأسف في لقاء جامعة السّعدي بطنجة يكررّ عبدالمجيد بن جلون المؤرخ نفس الأطاريح ، أما الوزير الأسبق للثقافة محمد العربي المساري فقد كان دبلوماسياً في مناقشاته وتابع بالدقيقة أعمال الملتقى مسجلاً كلّ شاردة وواردة، كما تمتعنا بمتحف المقاومة لابن عبود في تيطوان الذي يعتبر ذاكرة الوطنيين المغاربة، وتدخلاته في المناقشة تصبّ في الدفاع عن القيم الموحّدة للمغرب العربي.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram