ما قل ودل

الذكرى الثّلاثون لوفاة مفكّر الشّخصية الوطنية “مولود قاسم نايت بلقاسم”…وزير برتبة مفكّر وداعية

شارك المقال

نعيش ذكرى وفاته في ستّينية استقلال واسترجاع سيادة نستحسن في زمنها الحديث الرّسمي لرئيس الجزائر عبدالمجيد تبون باللغة العربية أمس في الندوة الصحفية المشتركة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي سيزور يوم الجمعة مقبرة “بولوغين” والتي كتبت في البرنامج “سانت أوجان”.

و لبولوغين “بُلكين بن زيري” رمزية خاصّة عند المرحوم بلقاسم نايت بلقاسم باني العاصمة والمدية ومليانة، إذ كان يذكره دوماً إلى جانب يوغرطة ويوبا الثاني وماسينيسا والرستميون والحماديون والزيريون وابن تاشفين وخير الدّين وأخوته وابن باديس وبيتهوفن وفيخته (الفيلسوف).

نعيش ذكْراه في أجواء جِراحات الذّاكرة وحضورها في الزّيارة الفرنسية للجزائر، وهو من أعدّ تقريراً عن “الصّحراء الجزائرية” زمن مفاوضات إيفيان حتى تكون سَنداً تاريخياً للمفاوِضين، وظلّ طيلة حياته يزهو بتاريخ الجزائر في كلّيته، ويفرضه محوراً في ملتقيات الفكر الإسلامي.

ويسمّي الثانويات والمؤسّسات الدّينية التابعة له بأسماء زعماء وعلماء الجزائر، وكان يقول مكرّراً: “لسنا يَتامى التّاريخ” رداً على فرحات عباس وحسنين هيكل وبعض اليساريين الشيوعيين الجزائريين الذين وأَدُوا (دفنوه وهو حيّ) “التّعليم الأصلي”، ولا يزال خطابه عن تاريخ الأمة الجزائرية حياً وسِلاحاً اليوم ضدّ من يعتبر الأمة والجزائر ميلاد 1962 فقط.

أتذكره هنا واستحضر ما يخلد بذاكرتي من خلال قراءة ما جُمع من مقالاته وتدخّلاته: كان موسوعي الثقافة والفكر، متعدّد اللغات ولكن العربية قضية إيمانية عنده ولا يمكن التّنازل عنها وكان لا يعمل أي تحفّظ وهو وزير في مهاجمة كل من يمسّ بها أو يستهتر بها

كما أنه كان شجاعاً وحازماً في محاربة التفسّخ الأخلاقي ووجّه رسائل رسميّة قوية للإذاعة والتلفزيون في عدم بث الخلاعة وأغاني الفحش، وله مواقف معروفة تُروى على سبيل التنكيب والتبكيت، فالعربية وليس الدّارجة والتاريخ في كليته وعمقه، والإسلام ثلاثية دافع عنها وأثراها قولاً وعملاً وهو وزير دون حسابات للمنصب أو خوفاً من الذّهاب من المنصب.

لم يكن دكتوراً أو بروفيسوراً ولكن كان أستاذاً للدّكاترة والمشايخ يستمع لهم ويستفيد منهم ويردّ على بعضهم، ملأ الحياة الثقافية والدّينية بقوّة بيانه وثقافته ومواقفه الوطنية وليس بالألقاب المنتفخة، اسمه عار من ألقاب الانتفاخ ولكن هيبته حاضرة حياً وميتاً، وظاهرة الانتفاخ العلمي الشكلي ولم يعرف ذلك الجزائريون إلا مع التسعينات وأعتقد ظهرت في وسط المعربين المتمشرقين.

جمع بين المذاهب والدّيانات في ملتقيات الفكر الإسلامي وتأسّف لعدم حضور كبار المفكرين في العالم مثل جون بول سارتر ومحنّد تازورت مترجم الفلسفة الألمانية، كان ملتقى الفكر الإسلامي نموذجاً للقاءات حوار الأديان والتقارب المذهبي قبل بعض الدول العربية التي ترعى ذلك اليوم.

كما جسّد “العلوم البينية” قبل اليوم إذ كان يحضر شيوخ الدين والمؤرخون والفلاسفة وعلماء النفس والمستشرقون وغيرها من الاختصاصات الأخرى ولكن كان سنام ذلك “التّاريخ” وكان مغرماً بأفكار المؤرخ عثمان الكعاك التونسي.

-في العدد الأول من مجلة “الأصالة” – التي أدعو إلى عودتها- كتب عن الموسيقار العالمي بيتهوفن ويوغرطة، ووشح صورة الغلاف بهما، وعي رسالة للقطاع الديني أن يهتم بالتاريخ العريق للجزائريين وبالفنون التي تهذب وتبني وقد كان محباً لبتهوفن ويستشهد به دوماً كفنان ملهم ويردد عبارة الموسيقار العالمي “إن الموسيقى هي وحي أعلى من كلّ فلسفة، وأعمق من كلّ حكمة، والذي تنفتح له موسيقاي يتحرّر من كل بؤس يثقل كواهل الآخرين”.

كما كان يحب الأندلسي والشعبي ولكن دعا إلى تطهير مضمونه من الدعوة إلى الانحلال , كان متقدماً جداً في فتاوى فقهية دعا فقهاء الأمة الإسلامية إلى الأخذ بها منها “توحيد التاريخ القمري باعتماد الحساب الفلكي” منذ مؤتمر الكويت 1971، ودعا إلى أن يكون هدي الحج نقداً، وغيرها من القضايا الأخرى، فالأصالة عنده كما يقول “أن يكون الإنسان ابن عصره، مع البقاء على أديم مصره، ودون ان يصبح نسخة غيره.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram