ما قل ودل

العربية لغة الطب في الماضي والحاضر والمستقبل – الجزء الأول –

شارك المقال

في العصر الحديث أُنْشِئَتْ في مصر أولُ كليةِ طبٍ، في أبي زَعْبَل، أيام محمد علي الكبير، عام 1827م، واستمر تعليم الطب فيها باللغة العربية نحو 60 سنة، وكانوا يستقطبون الأساتذة الأجانب فيُتَرْجَمُ لهم في قاعات المحاضرات مباشرةً، وقد أُلِّفَ في هذه الفترة 53 كتاباً في الطب.ثم بدأ الاستعمار البريطاني لمصر عام 1882م وفي غضون خمس سنوات منه تحول تعليم الطب من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية ! .

وفي عام 1866م أُنشئت في بيروت الكلية السورية الإنجيلية (ثم سميت فيما بعد بالجامعة الأمريكية ببيروت)، وأنشئت بعدها عام 1883م مدرسة الطب اليسوعية، وكان الطب يُعَلَّمُ فيهما باللغة العربية، إلى أن غزا الاستعمارُ لبنانَ، وتحول تعليم الطب في هاتين الكليتين إلى الإنجليزية والفرنسية !.

وفي سنة 1924م افْتُتِحَتْ كلية الطب في الخرطوم، وسُميت مدرسة كتشنر الطبية، وتلتها في عام 1927م كلية طب بغداد، وكان التعليم فيها باللغة الإنجليزية ! بيد أن كلية الطب، التي تأسست في دمشق عام 1919م، بدأت تُدَرس الطبَّ باللغة العربية، واستمرت فيه حتى اليوم، على الرغم من محاولات الانتداب الفرنسي- عندما كان قائماً- لفرض اللغة الفرنسية فيها .

وفي دراسة نشرتها “منظمة الصحة العالمية” (“الدليل الدولي لكليات الطب”، ط 6، 1988م، ط منظمة الصحة العالمية) عن 1259 كلية طب في 128 دولة، يتضح لنا طابعٌ عامٌّ ملفت للنظر، حيث “الدولُ المستقلة سياسياً” (مثل الأمريكتين الشمالية والجنوبية، وأوربا، واستراليا) جميعها تدرس بلدانها الطبَّ بلغاتها.

في حين إن الدول التي “خاضت تجربة الاستعمار” (وتقع أكثرها في قارتي آسيا وأفريقيا) يُدَرَّسُ الطبُّ فيها بلغة المستعمر، وأقرب مَثَلٍ لذلك نجده في عالمنا العربي، فالطب في المغرب العربي يُدَرس باللغة الفرنسية، وفي مصر والعراق والسودان بالإنجليزية، وفي الصومال بالإيطالية، وكلها لغات المستعمر الذي ساد البلاد لفترة من الزمن !.

إن كثيراً من الدول الأوربية (مثل السويد والنرويج وفنلندا وألمانيا والنمسا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا .. إلخ)، فضلاً عن اليابان والصين (.. إلخ)، تُدَرِّسُ الطبَّ بلغاتها، وعلى مستوىً عالٍ من الأداء، في الوقت الذي نجد فيه أن البلاد العربية (وعدد سكانها نحو ربع مليار نسمة، وفيها أكثر من 90 كلية طب) كلها تدرس الطب بلغات أجنبية، هي الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، ما عدا خمس كليات !.

ولقد وجدنا في الدراسة التي أجريناها أن نسبة المصطلحات الطبية في كتب الطب لا تزيد عن 3.3 % من مجموع الكلمات، وأن الطالب الذي يدرس باللغة العربية تزداد سرعته 43%، وتتحسن قدرته على الاستيعاب 15 % ، عما لو قرأ باللغة الإنجليزية .

وبحساب البُعْدَيْن الكمي (سرعة القراءة) والكيفي (القدرة على الاستيعاب) معاً، أي “التأثير المُرَكَّب” لهما، نجد أن نسبة التحسن في المُحَصلة – إذا كان التعليم باللغة العربية- تصل إلى 55% (لـ “الأطباء المقيمين” الذين أُجريت عليهم الدراسة)، و64 % (لـ “أطباء الامتياز” الذين أُجريت عليهم الدراسة)، و80 % (لـ “طلبة الطب” الذين أُجريت عليهم الدراسة)،

إذن، لو كان الطلبة والأطباء، الذين أُجريت عليهم الدراسة، على علم أَوْفَى بالمصطلحات الطبية باللغة العربية، لكانت “سرعة قراءتهم” و”درجة استيعابهم” أعلى …يتبع

المصدر: عن دراسة "دفاع عن تعليم الطب باللغة العربية"

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram