ما قل ودل

انحدار اليورو .. تفسير وتداعيات ودروس – الجزء الثاني –

شارك المقال

لقد بين عدد من علماء الاقتصاد أن الإفراط في الاستدانة سواء من الحكومة أو من القطاع الخاص، يجلب مخاطر أقوى مما يظن خلال فترات الازدهار الاقتصادي. ويمكن أن يفهم ذلك من كون الازدهار يجلب نهايته بنفسه إذا بني على أسس ضعيفة، أو بنيت عليه تصرفات مفرطة في التفاؤل، لأنه يحفز سلوكيات تعمل على تقويض التوسع.

وبالأخص يجلب التوسع ضغوطا تضخمية تصنع آثارا وسلوكيات تنهي التوسع. ورأينا قبيل الأزمة المالية العالمية في 2008 كيف أن النمو الاقتصادي العالمي أنتج إفراطا في السلوك المالي، ووضع بذور وقوع تلك الأزمة.

وهناك علاقة بين المديونية العامة وحجم وهيكل القطاع العام وتكوين الإيرادات والنفقات. وهي قضايا مؤثرة في استدامة المالية العامة. وفي نطاق هدف الاستدامة، ينبغي أن تمارس السياسة النقدية بالتناغم مع سياسات المالية العامة والمالية الخاصة، نظرا إلى أن الأخيرة وسيلة فاعلة لاكتساب الاستقرار في ظل ظروف تتسم بشدة التقلبات الخارجية ذات التأثيرات بالغة الحدة في الأوضاع الاقتصادية المحلية. وجاءت الأزمات لتزيد من تأكيد هذه النقطة.

زيادة الدين الأوروبي بحدة خلال الأعوام الأخيرة ليس كله حكوميا، بل بعضه قطاع خاص. نسبة كل واحد منهما في منطقة اليورو بقيت شبه ثابتة تدور حول 80 في المائة من الناتج المحلي لكل واحد “العام أو الخاص” عدة أعوام قبل أزمة كورونا. لكنها زادت بعد الأزمة لتصل حاليا إلى ما يعادل الناتج المحلي تقريبا. وقد اتخذت خطوات لمعالجة أزمات ديون حكومية أوروبية، أو الحد منها بصورة كبيرة. لكن النتائج طبعا دون المؤمل.

ما علاقة ما سبق بالصين؟ قامت في الأعوام السابقة ضغوط من الغرب على الصين لرفع قيمة عملتها الرينمنبي. من أهداف هذه الضغوط تخفيف القوة التصاعدية للصادرات الصينية، عبر رفع سعر الصادرات الصينية، وخفض سعر الواردات للصين. كان هناك نوع استجابات من الصين، لكن أزمة اليورو أعطت الصين فرصة للتراجع عن فعل ذلك، لأنه سيعمل على خفض تنافسية صادراتها.

بينما نرى زيادة تنافسية الصادرات الأوروبية بسبب الانخفاض الحاد في اليورو. لكن حدة التضخم قللت من ميزة انخفاض اليورو، فالتنافسية , فهل متوقع تحسن أو ضعف أكبر لليورو في الشهور المقبلة؟
طالما أن هناك مخاوف من حصول انكماش أو على الأقل ضعف نمو اقتصادي، لعوامل منها شدة التضخم وتزايد عدم اليقين بشأن استمرار إمدادات الغاز الروسي،

فإن حصول مزيد ضعف لليورو أقرب للتوقع من حصول تحسن. يؤيد بعض الخبراء هذا التوقع، بالنظر إلى دخول الخريف وقريبا جدا الشتاء، ما يزيد من استهلاك الغاز. ويرى خبراء في اليورو أن مستقبل اليورو يميل إلى السوداوية ما لم يحصل تدخل من البنك المركزي الأوروبي وتعاون بينه والفيدرالي الأمريكي بصورة غير معتادة.

أخيرا درس لمجلس التعاون. بناء عملة موحدة يتطلب تدابير تتجاوز بكثير ما تم الاتفاق عليه قبل ولادة اليورو، وفي هذا درس عظيم الفائدة لدول مجلس التعاون، حيث قد يعول البعض على التجربة الأوروبية، في إصدار عملة خليجية موحدة…إنتهى

 

المصدر: د.صالح سلطان - الجريدة الإقتصادية الدولية -

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram