
كانت الرحلة الى النعامة من أجل المشاركة في ملتقى المركز الجامعي حول (السياحة الدينية) وحضور موسم (وعدة سيدي أحمد المجذوب) من مسجد الامير عبدالقادر بسعيدة فجرا، وكلما زرت المدينة اتحين وقتا لاداء الصلاة في هذا المسجد فهو من ذاكرة مرحلة لازمت فيها دروس المجذوبي المجاهد خريج القرويين الشيخ أحمد راسمال وزميله الشيخ بن يونس والشيخ قادة الكرومي رحمهم الله ، كما تكونت فيها الجماعات الشبانية الاسلامية في أقسام قرآنية كانت فضاء للحلقات العلمية والتكوينية.
كانت الرحلة ممتعة بغيث خريفي تمتزج فيه رائحة التربة المروية بمطر الخريف بعد ان لفحتها شمس الصيف برائحة صوف الغنم المبللة، وفي مناطق تكون رائحة مركبة من الشيخ والغنم والمطر ذكرتني بنشأتي البدوية.
في النعامة كان الاحتفاء والمحبة من أهلها الذين جمعتهم بلدة لم تكن فيها الا منزلان او ثلاثة ومحطة قطار، جمعت النعامة بين قبائل حميان ومن عاش في كنفهم وعاصمتهم المشرية، وقبائل العمور وأولاد سيدي الشيخ والمجاذبة واولاد بوتخيل والقصور الامازيغ ويتوزع هولاء اصلا في العمران تاريخيا بين عين الصفراء والشلالة وتيوت وعسلة وبوسمغون والأبيض سيدي الشيخ ومقرار .
تنوع في الأصول والسلالات وتنوع في الطبيعة والتقاليد وفي اللغة التي مازالت مستعملة الشلحة في بعض الجهات، تنوع تعايش بفضل العلماء الأولياء والمتصوفة التي كانت خيرا وغيثا على هذه البلاد وكانت المقاومة (ابرزها ثورة بوعمامة) وحركة التحرير وثورك نوفمبر إسمنتا اجتماعيا، وقد يبقى أثر الاختلاف النسبي والعرقي وحروب الماء والكلأ التي شهدتها المنطقة في أزمنة بعيدة، ولكن برحمة من الله كانت المعرفة وانتصار المحبة بفضل أولياء الله والمقاومة والثورة عوامل التماسك الاجتماعي والوحدة التي يجمعها طعام وتخالف من أحل الخير ونصرة المظلوم، ومن هنا كانت الضيافة قيمة صلح وفض النزاع والدفاع عن الوطن .
عسلة استقبل اهلها الأصليون ووارى ترابها الشيخ ابي العباس أحمد بن سليمان البوسماحي البوبكري المدعو المجذوب، كان جذبه أنه أحرق مراحل السير والسلوك الصوفي لهمة خاصة به ولانه جلس في حضرة والده البيولوجي والتربوي الشيخ سليمان جد الشيخ عبدالقادر (سيدي الشيخ)، وكان من حظه أنه تربى على عمدة الشاذليين الشيخ أحمد بن يوسف الملياني، جاء من الشلالة شلالة الخير والغيث والمحبة الى قصر قديم فكان عسلا على أهلها في الذوق والمعرفة وكانت عسلا عليه في الضيافة والرقاد الابدي ، وكم من نبي وعالم وصالح لم تكن بلدة مسقط رأسه لحدا له.
أهل عسلة مثل فاكهة الرّمان، فاكهتم التي تنتجها تربتهم وتربة بوسمغون (ولاية البيض) ، حلوها ووحدة حباتها (وظف ذلك الطاهر وطار في قصته الممتعة )، أهل عسلة المجاذيب زبدة خلاصة لبن صاف من نسل الصحابي ابي بكر الصديق رضي الله عنه ونسل جدتهم كلثوم البوتخيلية القادرية من صلب مقدس السرّ عبدالقادر الجيلاني الحسيني، هنا يكتمل شرف النسب الطيني والروحي وتاجها الانتماء لوطن المقاومة والثورة.
قضينا يوما ممتعا بالجمال والمتعة والفرجة بعسلة بمناسبة وعدتهم التاريخية التي غيبها الوباء لعامين، خيام وقواطين في لوحة جميلة معدة للسكن لايام الوعدة وخيم جميلة واسعة خاصة للضيوف، وكانت العلفة مشهدا رائعا يذكرك بتاريخ المقاومة وببوعمامة والأمير عبدالقادر، شكرا للذين أطعمونا وحفونا بمحبة وسخاء عسلي متميز، لرئيس الدائرة السيدة التي استطاعات أن يتقبلها المتخيل الذكوري في مجتمع محافظ علينا أن نذكره بأجدادهم الذين كانوا يأخذون الاوراد ويحتكمون في خصومهم إلى لالة صفية ولالة زينب ولالة مغنية وغيرهن.