بومدين بوزيد يعيد فتح النقاش حول المستشرق ل. ماسينيون؟ وهل كان مبشرا مسيحيا معاونا للاستعمار أم مفكرا من أجل السلام والأخوة الإبراهيمية؟ , حين حضرته الوفاة نهاية أكتوبر 1962 كان يتلو الآيتين: “قلْ إنِّي لن يُجيرني من الله أحدٌ” (الجنّ،22) و “يَستَعجِلُ بها الذين لا يُؤمنون بها، والذين آمنُوا بها مُشفقون منها ويعْلَمون أنّها الحقّ” (الشّورى، 18) كما أنّه كان يقرأ في حياته سُور “الفاتحة” و”مريم” و”وآل عمران” و”الكهف”.
في وفاته تمثّل استشهاد الحلاّج الذي اكتشف قبره وأحبّه وحقّق أشعاره، وعاش تجربته الرّوحية في الحبّ والانتصار على الذّات، لم يكن تكن النّهايات واحدة، ولكنّها حياة فيها العَطاء ونُكران الذّات وقبول الآخر والضّيافة والأخوّة والدّعوة إلى التّسامح والحوار، قال عنه تلميذه إبراهيم مدكور (ت 1996) منذ ستين سنة بعيد وفاته: “يُعدّ أكبر مسْلم بين المسيحيين، وأكبر مسيحي بين المسلمين” وقد استوحى من هذه العبارة مانويل بينيكود الفرنسي -المشتغل بتاريخ الأديان- عنواناً لكتابه الأخير (2020): “ماسينيون: “الكاثوليكي المسْلم”.
يعتبر ماسينيون من كبار المستشرقين المعاصِرين وتحدّث عن لقاء الأديان تحت مسمّى “الإبراهيميّة” قبل رَواجها في العقدين الأخيرين، كما دعا إلى “الأخلاق الكونيّة” و”السّلام بين الأديان” هانز كونغ (ت 2021) (كتبت عنه في جريدة الخبر شهر افريل الماضي)مقتفياً أثر أستاذه ماسينيون.
عاش لويس ماسينيون مُنقّباً نحّاتاً للفكرة والمصطلحات وصورة الذين أحيا ذكراهم، فقد نشأ في بيئة فنيّة كان والدُه من أشهر النّحاتين، قرأ ليون الإفريقي وكتب من خلاله أطروحته في زيارات أولى للمغرب والجزائر وتتبّع آثاره في رحلات لم تنقطع، كانت رحلته الدّائمة متعة وحياة وعلم.
اكتشف الحصون الأثرية بالعراق (اكتشف حصن الأخيضر بكربلاء) والقبور وأعاد بعث حياة المقبورين وبالخصوص الحلاّج وسلمان الفارسي وأهل الكهف في أفْسُس، أعاد سيرتهم الذّاتية وفق الكتب السّماوية وروح الإنسانية، فرأى فاطمة الزهراء ومريم العذراء في صورة واحدة تُشِعّ بجمال الله ومعجزاته.
تكون على مستشرقين وعلماء كبار واختلف مع بعضهم وأبرزهم أرنست رينان، وأنصف الإسلام والرّسول في دفاعه عن الوحي وصِدْق صاحِب الرسالة، كما تكوّن في مدرجاته بالكوليج دو فرانس مجموعة من المستعربين والمشتغلين بالإسلام أثّر على رؤيتهم.
ويمكن القول أنّ قضايا حوار الأديان والموقف من الإسلام والمسلمين بدأت تتحرّر من هيمنة الاستشراق التقليدي بفضله، فرحلته الكبرى نحو جغرافيا العالم الإسلامي المادّي والحضاري جعلته يؤمِن ب”الضّيافة” و”الكرم” العربيين، فقد أنقذه الفقيه المفسِّر الألوسي من السّجن بتهمة التجسّس وعاش معه بداية القرن، ومن خلاله تضرّع إلى الله بالعربية، وأحبّها.
وكان انضمامه للمجمع اللغوي العربي سنة 1933، وقال إن “العربية أنسب للتّقرّب إلى الله، وهي لغة السّواكن التي لم تعد في اللغات السّامية كما أن نبرة الصّوت في العربية تُساعد على المعنى والتّعبير”، وشهادة منه لها أهميتها لأنه كان متعدّد اللغات الحية والميتة، مع الألوسي لم يكتشف فقط أسرار اللغة العربية ولكن اكتشف شخصيات إسلامية وعاش معها في ترحاله وأحلامه وأبحاثه، الحلاج وابن سينا وإخوان الصفا والبيروني وغيرهم.
ثلاث مسَائِل تُغبّش علينا القراءة الموضوعية ومحاولة فهم مواقف وأفكار ماسينيون، موقف مالك بن نبي منه واتهامه له أنّه “تقني الاستعمار” أي كان مساعداً لهم، وهل هذا تؤكده مواقفه اللّاحقة في نُصرته للجزائريين وتنديده بظلم الاستعمار؟ أم أن خِلافه مع مالك بن نبي ذاتي متلبّس بمرحلة لم يعترف بها ماسينيون ببن نبي؟ .
كما أن مشاركة ماسينيون في معركة الدّردنيل حين كان مجنداً ضابطاً وعضويته في لجنية سايكس-بيكو تتابعه كلعنة رغم مواقفه المناصرة بعد 1948 للفلسطينيين والشعوب الضعيفة؟ وهل رحلته والبحث عن المبشّر الكبير الأب شارل دو فوكو في صحراء الجزائر هي مهمّة استعمارية مثل تأسيسه ل”جمعية البدليّة” التي تَضمّ الأديان وتؤدّي صلاة واحدة بدمياط (مصر) التي حذّر منها الأزهر الشّريف. وليست مهمّة روحية من أجل الأخوة الإنسانية؟.
تلكُم أسئلة وقضايا يبقى حوْلها الخِلاف، فمسيرة ماسينيون غنية بمراحِل طويلة تتميّز كل مرحلة بخصائص، وقد لخّصها تلميذه وأمين سِرّه الأب يواكيم مبارك في ثلاث مراحل: المرحلة الحّلاجية (نسبة إلى الحلاج) التي انتهت مع مناقشته لأطروحته عام 1922، والفترة “الإبراهيمية” (نسبة إلى النّبي إبراهيم) الممتدة حتى العام 1950، والفترة الفرانسيسكانيّة التي تميّزت بالتزامه الدّيني، ونشير هنا أنه في دراسته للإسلام اهتم بداية بالعصر الوسيط، ومن ثم بالإسلام الخالد، وأخيرًا بالإسلام المعاصر.