
فهذه المصاهرة امتدادٌ وإحياءٌ لهذا التّاريخ العَريق الذي عَرف تموجّات وانقطاعات ومراحِل قوّة وضعف، وقد كانت القوافل الأولى تجارية ودينية حملَت معها روح الإسلام وقِيمِه إلى إفريقيا، فكان الانتشار للإسلام تدريجياً ولم يتصادَم دموياً مع السّكان الأصليين بل حافظ على بعض عاداتهم وتقاليدهم إلى اليوم.
وكانت النّواة الأولى لهذه المصَاهرة النَّسبيّة انتشار ما يُعرف في الذّاكرة التاريخية الشعبية أحفاد عقبة بن نافع –رضي الله عنه- الذين اتخذوا تسمية سلالية بيولوجية ودينية وصوفية وهم الكنتيون، ويمكن اعتبار دخول القادرية (نسبة إلى عبدالقادر الجيلاتي ت 531ه/1167)، إلى البلدان الإفريقية فتحاً إسلامياً متجدّداً ثانياً مع الإمام محمد بن عبدالكريم المغيلي (ت 909ه/1504م) الذي انتقل في رِحلة دامت عشرين سنة إلى مالي والنّيجر ونيجريا وبوركينا فاسو، قام خلالها بنشر المعرفة الإسلامية وقام بإصلاحات سياسية تضمنتها رسائله وكتبه كما ساهم في فضِّ النّزاعات العِرقية وأصلَح ذات البين، وصَحبته في هذه الرحلة الفتحيّة نخبةٌ علمية من فقهاء وقضاة ومتصوّفة.
و سيكون لتلميذ الإمام المغيلي ورفيقه إلى هذه البلدان الإفريقية سيدي اعمر الشيخ الكنتي (ت 959ه/1552) الدّور الأبرز في إتمام مهمّة شيخه ونشر القادرية في بلاد التّكرور (دارفور تشاد النّيجر مالي نيجيريا موريتانيا السينغال) فهو ّالذي “امتصّ ثمرة المغيلي”، إنه حَلقة وصْل مع ظُهور شخصية قادرية-كنتية أخرى بارزة أعطت للقادرية زخماً قويّاً في إفريقيا وهو سيدي المختار الكنتي (ت 1811م) في القرن الثّامن عشر، دعَا إلى التّجديد والاجتهاد، فالمختار الكنتي يعود له الفضْل في مأسَسة التّصوف الطُّرقي في غرب إفريقيا، كما منحه الفكرة التجديدية والأداة التنظيمية التي أهلته لمواجهة التحدّيات الدّينية والحضارية التي عاشها السودان الغربي منذ انهيار دولة الصُّنغاي عام 1591.
منذ نشاط المغيلي والقادريين الكنتيين والتّطور الذي حدث في البلدان الإفريقية الغربية كان من المنتظر أن يكون لبعض هذ البلدان قوّة اقتصادية وتنظيماً اجتماعيا متميّزاً واستقراراً في القرون التي تلَت ظهور دول إفريقية امتزج فيها العنصر الأمازيغي بالعربي والإفريقي الأصل وكانت بعض دساتيرها من إنشاء وتوجيه النّخبة العلمية الإصلاحية، ولكن حملة سلطان المغرب السّعدي أحمد المنصور الذّهبي (فترة حكمه 1578-1603) في عام 1591 (معركة تونديبي) تحت قيادة جؤذر باشا قصد إخضاع هذه البلدان للإمبراطورية السّعدية المغربية تسبّب كل ذلك في انهيار دولة الصُّنغاي وظهور الأوبئة والمجاعات والتّهجير القسْري لسكانها قصد بيعهم كرقيق للأوربيين.
وقد لخّص ذلك الانهيار محمد الخليفة الكنتي (موريتانيا) بقوله: “لقد أذهبوا (أي السّعديون) تاريخ دولة الصّنغانيين وأوهنوا دولة العلم بالبلاد السّائبة، وأظهروا الحيف في البلد، وشهروا السّيف على العباد، وطبقوا البلدان بالخراب ووضعوا الجزية والمكوس على الرّقاب فضعفت دولة السودان وانحلّت من آثار العمارة”.
إننا نَعتبر انتشار الشّاذلية والقادرية البدايات الأولى لهذا الارتباط التّاريخي بالجزائر، عبر توات وأهلها والتوارق، وبعض المصادر تروي أنّ الرّحلة المغيليّة الإصلاحية والتجديدية للإسلام في إفريقيا وبالخصوص غربها هي “مهمّة روحيّة- جهادية” كلّفه بها شيخه الأبرز الإمام عبدالرحمان الثعالبي (1386-1471)، وتأثير علماء تلمسان وبجاية واضح في بعض مواقِفه وآرائه خصوصاً في المنحى الصوفي والفقهي والسياسي، وبداية الطريقة القادريّة في شمال إفريقيا ارتبط بالشيخ شعيب أبي مدين الغوث (ت 589ه) وتميّزت بالإحياء والانتشار مع جدّ الأمير عبدالقادر الحاج مصطفى بن عبدالقادر .
يمكن اعتبار التّراث المالكي والأشعري والصوفي المسار المشترك مع الإفريقيين عبر طُرق التجارة التاريخية، والمشيخة التقليدية التي تمثّلت بالخصوص في كبار مشايخ الصوفية من الجزائر سواء من المؤسسّين أو بعض تلاميذهم وأبنائهم، كما أن التواشج القبلي والاقتصادي سبيلاً للتّواشج المعرفي والثقافي وقد كان في مراحل المشترك الرمزي مدخلاً للعلاقات التجارية.
وفي ظلّ تزايد حجم المعاملات الاقتصادية والاتفاقية بين الجزائر وإفريقيا الغربية بالخصوص وجنوب إفريقيا فيمكن اعتبار “المشترك الروحي –الرّمزي” عاملاً أساسياً في تطوير هذا التعاون، وفي كون الامتداد الجزائري الرمزي يمكن أن يشكل ثروة اقتصادية لهذه البلدان وعلى رأسها “السّياحة الدينيّة”، كما يمكن أن تكون “المشيخة الصوفية الجزائرية” فوّة في فضِّ النّزاعات ومعالجة الأزمات الاقتصادية، ومخاطر البيئة والهجرة والتطرف والإرهاب والفقر.
إذ أنّ ما يُوفّره النّزاع القبلي والاقتتال الإثني من ملاذ آمِن للجماعات الإرهابية وفكر التطرف يحتاج إلى معالجة سياسية ودبلوماسية باستثمار طُرق ومسَارات جديدة للدبلوماسية يعتمد تفعيل “المشيخة الدينية الجزائرية” وتطويرها.