لم يقسم الجزائريون كما جاء على لسان مفدي زكريا في رائعة النشيد الوطني على تحرير الجزائر من نجاسة الإستعمار الفرنسي فحسب,بل كان قسمهم أيضا في أوقات السلم من خلال الإصطفاف إلى جانب كل الحركات التحررية في العالم الثالث و مساندة كل مظلوم على وجه المعمورة مهما كان دينه أو عرقه عملا بما جاء به ديننا الحنيف الإسلام.
فإذا كان هذا هو قسم الجزائريين نحو الشعوب الصديقة فكيف يبّر الجزائري بقسمه اتجاه من تربطه به روابط الأخوة و اللحمة الواحدة و الدين الواحد,نعم يا سادة فإن قسم الجزائريين أبوا إلا أن يظهوروه أمام إخوانهم السوريين, خلال النكبة الأليمة التي يمرون بها حيث كانت جحافل قوات الدفاع المدني الجزائرية هي رأس قاطرة المساعدات الإنسانية فكانت الطائرات الجزائرية الأولى التي كسرت منطق الحظر و ساعد الجزائريون حكومة و شعبا إخوانهم السوريون في حين انفضت عنهم العديد من الدول المحسوبين على بني جلدتهم .
فالحملات التضامنية بالنسبة للجزائري هي عقيدة و هي رد للجميل في ذات الوقت,فالكثير من شبابنا اليوم لا يعلم حجم الإعانات التي تلقتها الثورة الجزائرية من لدن سوريا حكومة و شعبا فكانت القاعدة الخلفية لثورتنا المجيدة و فيها انطلقت أول كلمة إذاعية التي عرفت بإذاعة كلمة الجزائر الحرة من دمشق و سبقت صوت العرب من القاهرة بأعوام.
ففي سوريا أبى أميرنا عبد القادر إلا أن يحتمي بشعبها و أبى إلا أن يدفن في ترابها,و كانت سوريا السبّاقة للإعتراف بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره الذي حققه بعد حرب شعواء ضروس أكلت من خلالها فرنسا الأخضر و اليابس في طريقها.
و علاقات الجزائر بسوريا الشقيقة لا يمكن اختزالها ضمن التاريخ الحديث فحسب,فالتاريخ القديم يشهد للعهد المتواصل بيننا و بين هذا الشعب المسالم الذي تم اغتصاب أرضه جورا و ظلما و عدوانا,فالتاريخ يشهد بأن ملكة الشام “عليسا” احتمت بالشواطئ الشمال إفريقية خلال الهجرة الفينيقية الأولى و اختلطت من خلالها الدماء الشرقية بالغربية ليتولد شعب لا يعرف الهزيمة و لا الإنكسار “فسلوا تخبركم عنا فرنسا ويصدق إن حكت منها المقال، فكم لي فيهم من يوم به افتخر الزمان ولا يزال” على حد قول الأمير عبد القادر في إحدى قصائده.
و ما قامت به الجزائر من نجدة فورية لأخوانها في سوريا ما هو إلا امتداد لعلاقات ضاربة في عمق التاريخ,لم تستطع أيادي الإستعمار الغاشم محوها رغم تجنيدها فرق من العملاء و المندّسين,فعاشت الجزائر و عاشت الأخوة مع سوريا و المجد و الخلود لشهداء الجزائر الأبرار و الرحمة و الغفران لضحايا سوريا في مصابها الجلل و الشفاء العاجل لكل الجرحى و المصابين.