دين الوالدين لن نستطيع رده حتى نغمض الجفنين,فلعل ما سمعناه من قصص الأولين جدير بتكراره حتى يوم الدين,و لقد أدهشتني و أنا أطالع أخبار الصحف العالمية حول الزلزال تلك الصورة التي يمسك بها الأب بيد ابنته في تركيا و هي تحت الأنقاض قد فارقت الحياة لكن الوالد المكلوم لم يستطع و لا أحد أن يقنعه بأن ابنته فارقت الحياة.
فالحياة بالنسبة لذات الوالد هي مجرد احتضان ابنته و لو كانت مجرد أشلاء, نعم يا سيدات و يا سادة فما شعر به هذه الرجل يبقى دفين سره وحده فلربما كان و هو يحضن جزءا من إبنته يتذكرها عندما كانت جزءا فقط في رحم أمها و كان يتشّكل معها و هي تتشّكل,فحلم أن تكون ممّيزة و سلطانته في هذه الدنيا قبل أن تفرش له ورود الحب و الود و تكون وسيطا لما بينه و بين رحمة الله المهداة.
منظر هذا السيد المكلوم و المفجوع يستنطق ذكريات كان الأب يحتضن ابنته و يطلعها على كل ما هو موجب في هذه الحياة,فصورته مع ابنته قبيل الزلزال توحي بأن الوالد كان يعيش جنة مع فلذة كبده,فكانت هي رأس ماله كله حين ينظر البعض للمال نظرة مختلفة,فكان يبتسم من أعماق قلبه و هو يداعبها و كانت تبادله نفس الشعور من خلال عيناها العسليتين المفعمتان بالبراءة و حب الحياة.
لكن رغم أنه لا اعتراض لقضاء المولى عّز و جّل أراد الوالد المسكين أن يأخذ بيد ابنته الشهيدة تحت الأنقاض,حتى يتم إنقاذ جسدها الطاهر البريء,فلا يريد من مسعف أن يوقضها على حين غّرة,بل يريد أن يتم إجلاؤها نحو مثواها الأخير و هي في أحضان أبيها الذي كانت تعتبر محاميها و ناطقها الرسمي و وكيلها و المدافع عنها,فما أصعب ما يعاني هذا الوالد من حرقة نار الفقد الغادر و لسان حاله يقول ” أمسكي يدي إبنتي…فحتى موتك أعتبره حياتي”.
فرحم الله أباءنا و أباءكم الذين كان همهم الوحيد هو رؤيتنا أحسن منهم,فاللهم اجعلهم عندك من الساكنين في جنات النعيم مع الشهداء و الصديقين و الأنبياء و المرسلين و حسن أولئك رفيقا.