ما قل ودل

هَشاشة الحياة الإنسانيّة والرّحمة الإلهيّة الواسِعة

الحماية المدنية الجزائرية كانت سبّاقة في نجدة إخوانهم السوريين و الأتراك

شارك المقال

 

كان الزّلزال المدمِّر فاجِعة إنسانية تاريخية مركزه “كهرمان مرعش” التركية مدينة مُقاومِة ارتبطت باسم الصّحابي خالد بن الوليد كقاعدة للفتوحات الإسلامية، كما هزم سكانها الفرنسيين في 1920 وطردوهم منها.

الذي بعضهم اليوم يَسخر من مِحْنتها وما أصابها في كاريكاتور بجريدة معتوهة تنشر الكراهيّة (شارلي أيبدو)، المدينة القاهرة للأعداء والمحتلّين تقهرها إرادة ربّانية وضعت أسباب التّصدّع الجيولوجي للعبرة والفهم وبناء الحياة، وستقهر هذا المفاجئ الفتّاك بالأرواح في المستقبل بالعلم والعمران مثل اليابان.

أما ما كان في شمال سوريا من مآسي انعدام وسائل إنقاذ ناجين وموانع الإيديولوجيا من التّغلب على الجيولوجيا وفكّ الحصِار وانشغال الغرب بزيارة زيلنسكي للاتحاد الأوربي فلعلّه عبرة للعرب أن يتحدّوا وأنّ حلب وإدلب تركناها منذ سنوات تحت رحمة داعش وأخواتها وساحةَ حرب لصراعات دولية وإقليمية قبل أن يأتي الزلزال على ما تبقّى.

أصاب البشرية في السّنوات الأخيرة أنواع من الموت والتّدمير الجماعي، من الإرهاب والكوفيد والحرب والزلازل وفي هذا الموت المتعدد تنتصر دوماً الحياة والخير والرحمة والمحبّة، وهناك دوماً الذين يربحون متاعاً بالحيلة والسّرقة والنّهب التي تستغلّ المأساة الإنسانيّة.

إنّ المشاهد المأساوية التي تابعها العالم في الأيام الأخيرة تُبرز هشاشة الإنسان أمام الكون الذي خلق الله من أجله، بل إنّ الوجود والإنسان من تجليّات “الرّحمة الإلهيّة”، وإذا اعتبرنا ذلك فالنظام الكوني والمحافظ عليه والصّراع مع الخلل الذي قد يحدث أو مواجهته والتغلّب عليه من طرف الإنسان هو “رحمة إلهية” تلبس قوّة العلم والرغبة في الحياة.

وما مقاومة الجفاف والتصحّر والحفاظ على البيئة إلا من أجل حماية هذه “الرحمة” والتنعّم في ظلّها، أما الذين يربطون بين الكوارث والأوبئة والزلازل وأخلاق البشر على أنها “عقابٌ إلهي” فهم يُصورون الله -عز وجلّ- بالمنتقم الذي لا يرحم، وهي تصوّرات لا تختلف عن التفسير المسيحي الكاثوليكي في مراحل تاريخية في فهمهم “للخطيئة البشرية”.

نعم إنها عبرة إلهية وتحذير ونستغلها من أجل الدّعوة إلى الخير والسلم والعدل والمساواة، نعم إنها بلاء للذكرى، ولكنها أيضاً شهادة وغفران,تتذكرون دوما أن مثل هذه الخطابات التي تنتعش في بيئات الفقر والمشاكل وفي بيئات شهدت كوارث تغذّي التطرف والكراهية والانسحاب من الحياة، كما تكون عامل تجنيد شباب في الجماعات المسلحة.

إت البحث عن ناجين مشاهد ربّانية-إنسانية من أجل الحياة، أصوات مستغيثين، آهاتهم، أنفاسهم، حركاتهم هي “نداء إلهي داخلي” ف(نحن أنفاس الله في الأرض)، ويستجيب لهذا النّداء المتعدّد “إرادة خَيّرة” تفرح وتحزن، تضحك وتبكي، إنه “البركان الوجداني” الذي لا يعرف جنسية أو جغرافية أو انتماء دينياً أو مذهبياً أو قبلياً، أن يحتضن المنقذون أطفالاً فرحين فتلك الحياة والانتصار والأمل.

هذه الهشاشة الإنسانية في تجليّاتها السّلبية والإيجابية، تجعل من “الرّحمة” أو ما أسماه الفيلسوف يورغن هابرماس “وطنيّة التّضامن” التي تتجاوز الأعراق والوطنيّات الضّيقة وتتصالح بفضلها الأديان والوضعيّات والعلمانية في (مجتمعات ما بعد العلمانية)، هي “الرّحمة” قيمة كونية واستحسِن هنا “الشّفاعة” في الآخرة التي تقول بها سرديّات مذهبية إسلامية.

ولكنها تُبنى على “شفاعة دنيوية” يتمثّل فيها المسلمون الرّسول عليه الصلاة السلام في ذكرى معراجه وأسراه المباركين أنه “الرّحمة المهْداة للعالم” (وما أرْسلناكَ إلاّ رحمة للعالمين) ، وما أفضل أن تكون المواساة والعمل الخيري في إحياء مثل هذه الأيام، وما قامت به الدولة الجزائرية من المشاركة المتميّزة في التّضامن مع الشعبين التركي والسوري وفاء لثورتها وشهدائها.

 

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram