الله يشهد أنني لم أكن أحّب الخوض في موضوعي اليوم حول دفاعي عن اللغة العربية في منبتها أو بالمعنى الأصح في موطنها من خلال ما خاض فيه الخائضون,و هم أحسن مني مقالا و مقاما حول مسألة الإتصال المباشر للمفّكر العالمي “نعوم تشاومسكي” بجامعة الوادي حين امتدح لغة القرآن الكريم قائلا بأنه فاته الخير الكثير عندما أعرض عن غير قصد في تعلم اللغة العربية.
هذا التصريح بقدر ما هو مفخرة للغة الضاد و للعروبة عموما فهو أيضا يوّلد الحسرة و الخجل لبعض من يحسبون أنفسهم متحّضرين و هم يخوضون بحديث أهل “موليير”,و نحن هنا من خلال مقالنا لا ننصب المشانق و لا نتهجم على أي تيار أو أشخاص بعينهم,بل نريد فقط أن نستفسر هل يقابلنا أحفاد “شارل مارتيل” بالمثل أي يتعاملون مع لغتنا بنفس تعامل بعضنا بلغتهم….الجواب أكيد لا و لعل أبرزهم لمس ذلك خلال سفرياته العديدة لعاصمة الجن و الملائكة أو ما جاورها من مدن “الإكساجون”.
و أنا أكتب مقال “ما قل و دّل” كعادتي كل صباح حول موضوع اليوم,تذكرت حادثة فريدة وقعت لي في أحد عربات ميترو الأنفاق في العاصمة الفرنسية باريس ذات شتاء من عام 2000 ,أين قابلني في مقعد الميترو رجل فرنسي تبدو عليه علامات النبل و خصوصا الثقافة نظرا لهندامه الدبلوماسي و إمعانه القراءة في جريدة “le monde diplomatique” و أثناء تقليبه للصفحات ذات اليمين و ذات الشمال و أنا شارد الرؤية في إحدى النوافذ,إذ بشّلة من الشباب الأفارقة يصعدون و يبدؤون بالغناء الشعبي باللغة السواحلية.
و هنا قال لي ذاك الذي كان جالسا أمامي بالحرف الواحد و بلغة عربية فصيحة للأسف نفتقدها لدى بعض مثقفي اليوم “كلام جميل و تصرف نبيل لهؤلاء الأفارقة…وواصل حديثه بأنه لو عرفت فرنسا كيف تستغل طاقات أمثال هؤلاء و العرب لكانت الآن تعتلي سقف العالم”.
و هنا إئتمنت للرجل ظّنا مني بأنه شخصية ديبلوماسية لبنانية أو سورية أو ما شابه ذلك فسألته من أي البلاد العربية هو,و كم كانت مفاجأتي عندما علمت بأنه فرنسي “قّح” حتى النخاع “Français de souche“,لكنه قال لي بأن حبه و عشقه للغة الضاد جعلته يقطع البحار و الوديان لأجل تعّلمها فالمعني كان أستاذا للغة الضاد في جامعة السوربون و تعلم أصولها في سوريا فك الله أسرها,و قال تصريحا مطابقا لما قاله “نعوم تشاومسكي” و مفاده بأن لغتنا هي لغة كل العلوم فيكفيها فخرا أنها كانت “دينامو للحضارة الغربية”.
و هنا علمت أن اللغة العربية كنز ثمين بأيدينا بتنا نضيعه قصدا و لست أنا من أقول هذا الكلام فحسب,بل حتى المفّكرين و العلماء يقولون بأن هذه اللغة خلقت لتكون طيّعة لجميع العلوم,حتى أن علماء البرمجيات من أمثال الجزائري نور الدين مليكشي قال بأن تعامله مع العربية في الحاسوب كان أسهل و أرقى بكثير من تعامله مع أي لغة حية أخرى.
و غير بعيد عن الجانب الدنيوي فلغة الضاد ذات بعد روحي شاء المتنّطعون أم أبوا فرّب العزة في كتابه العزيز أقسم بالعديد من حروفها,فمن يس إلى كهيعص و طه و ألم و غيرها كثير, أفندير ظهرنا لكلام خالقنا و نتبع أهواء غيرنا لا و الله فصدق مولانا مخاطبا نبيه الكريم حين قال “ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ” و كفا بالله حسيبا.