هروبا من الواقع الحالي الذي نعيشه و الذي يريد أشخاص عمدا طمس الهوية الجزائرية ذات البعد العربي الإسلامي المتزاوج مع البعد الأمازيغي الشمال إفريقي, تذكرت ما نحن فيه من صراع حول “طوبونيميا” المكان التي أنستنا أحداث زمان,أين كانت الجزائر بحق دولة ذات كيان أرعبت بفرسانها العجم بمختلف أعراقهم كالإفرنج و الإسبان.
ففيما نحن نتعارك حول أحّقية أسماء المدن و القرى و بينما يصّر البعض على تحوير تسمية “عين” إلى “إين”,و غير ذلك من الترّهات أضحى الإسبان في الضّفة المقابلة يتفاخرون بتاريخ ليس بتاريخهم و الأولى بنا نحن احتضانه,فغرناطة التي باتت تذر على الأرض الأيبيرية ملايير الدولارات كل عام جراء فسحة حول حمرائها لا يعلم أبناؤنا في المدارس بأن من أسّس هاته المدينة هم الجزائريون.
نعم يا سادة من أسّس مدينة غرناطة التي تعتبرها إسبانيا أمهات المدن هم الجزائريون,و التاريخ لا يناقش فقصر الحمراء تعترف جدرانه بذلك فلولا الزاوي بن زيري الجزائري ما كان لغرناطة وجود.
و رغم الحقد الدفين التي تكّنه الذاكرة الإسبانية لثمانية قرون من الزمان مكث فيها العرب معّززين مكّرمين في الديار الأندلسية إلا أنها تعتبر الإرث الذي تركه أجدادنا قطعة فريدة من قطع تاريخها,و لعّل ذلك لا يزال يتجّسد في مختلف المخّلفات التي تركها من فرّطوا بسبب الحمّية العرقية في جوهرة الأندلس.
و لعّل من أبرز المقتنيات التي لا تزال تشير للوجود الجزائري في شبه الجزيرة الأيبيرية هو السيوف الزناتية المنسوبة إلى قبيلة زناتة الجزائرية -الواقعة غرب الجزائر-,والتي كان فرسانها يشّكلون أقوى مغاوير الجيوش في العصور الوسطى حينما كانت الدنيا تقاس بمعيار التطور العربي الإسلامي و ليس التشردم و الخنوع و التطبيع الذي تطّبع عليه البعض في زماننا هذا.
فلحد الآن يتوارث الإسبان في تراثهم الشعبي على أن أي شخص يكون شجاعا مقداما يتم تسميته بال”خيناتي” أي الزناتي- فهم يقلبون الزاي خاءا كما تعلمون-.
و مثلما يقول المثل الشعبي عندنا خصوصا في منطقتنا وهران “اللّي ما عنده شاهد كذّاب”,فلقد أرفقنا مقالنا بصورة حية للسيوف الزناتية التي لا تزال معروضة في متحف طليطلة لمن أراد التأكد,و يتعّلق الأمر بسيف “عبد الله إبن العطار” آخر قائد لمدينة لوشة الذي نزع منه سيفه الزناتي الجزائري بعد استشهاده,و أيضا سيف عبد الله الصغير آخر عنقود خلفاء بني الأحمر في غرناطة.
و إذ وجدتني اليوم أكتب حول تاريخ غرناطة و السيوف الزناتية الجزائرية فما كان ذلك إلا تحصيل حاصل نتيجة الغّصة التي لم أستصغها بعد و لا تزال تؤلمني حول إدّعاء الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” بأن الجزائر لم تكن موجودة قبل الإحتلال الفرنسي,فاضطررت مرغما لا بطل للتنقيب في التاريخ غير “الطوبونيمي” أي الحقّاني لأعيد مسح الغبار عن السيوف الزناتية الجزائرية التي كانت لا تعرف سوى شعار ” و إن عدتم عدنا”…و لا يزال للحديث بقية.