يبدو أن عقدة الإحساس بالذنب بدأت تعلب لعبتها في ضمائر بعض المسؤولين الفرنسيين الذي وقّعوا على وثيقة ذبح العراق خلال حرب الخليج الثانية,و ذلك ما أظهره وزير الخارجية الأسبق “دومينيك دوفيلبان” خلال حوار صحفي مع إحدى القنوات العمومية الفرنسية,أين اعترف بالحرف الواحد تغليط الولايات المتحدة لفرنسا خلال تلك الحرب القذرة التي خاضتها طائرات “ميراج” جنبا إلى جنب مع قاذفات “البي 52” حيث أكلت قنابلها الأخضر و اليابس على حاضنة “الرشيد”.
فدوفيلبان اعترف أين لا ينفع الإعتراف بجريمة ضد الإنسانية ارتكبتها أمريكا بمشاركة فرنسية دون نسيان باقي الدول الأوروبية مقابل عدم وجود قرينة تدين نظام العراق بامتلاكه أسلحة دمار شامل,التي عرفت حينها بقضية “البلايم قايت” و السؤال المطروح لماذا لا يعّد هذا الإعتداء الهمجي على أرض بابل و السومريين جريمة من الجرائم ضد الإنسانية.
و لماذا يفلت بوش الإبن رفقة أبيه من العقاب و المسائلة رفقة الكلولونيل “كولن باول”,فأليس الهجوم على العراق صنف بما يوازي 80 قنبلة نووية ناهيك عن خدش الذاكرة العربية الإسلامية و ما ترتب عنها من سرقة موصوفة للآثار البابلية السومرية و الأشورية و كذا الأكدية و الكنعانية.
و لماذا تطالب محكمة الجنايات الدولية برأس فلاديمير بوتين في حين يبقى المتسّبببون في حرب العراق أحرارا طلقاء,مع أن الجرم ليس متساوي فما بالك بأربعين دولة ضد دولة وحيدة,فهل هذا هو العدل الذي ترمي إليه محكمة العدل الدولية.
كل هاته الأجوبة التي يجيب عنها المجرمون الآن في مذكراتهم و في الحوارات التلفزيونية و الدموع تكاد تنهمر من عينيهم مثلما رأينا علامات الأسى و الحسرة أول أمس على محيى دوفيلبان ما هي إلا إرهاصات لنهاية حياة غير سعيدة,التي حتما تؤرقهم من خلالها أضغات أحلام أبطالها دونما شك أشباح الشيوخ و العجائز و الرضّع و العوائل و حتى البهائم الرتع الذين لاقوا حتفهم بدون ذنب و لا جريرة.
للإشارة أنه مثلما يعلم الجميع فإن الذكرى المأساوية لغزو العراق و تسويته بالأرض انقضى عليها عشرون سنة,كانت كافية لتحطيم كل ما بني في عشرات السنين التي استبدلها الغرب المتوحش ابلتفقير و التجهيل العمدي لأمة تطورت و ارتقت حتى أضحى معدل الأمية يشارف على الصفر بالمائة,ناهيك عن البطالة التي كانت شبه منعدمة فكان كل عراقي و عراقية يسعى لخوض معركة البناء و التشييد و تعلم العلوم بكل أصنافها و مشرباتها,و رغم ثمانية سنوات من حرب طائفية ضروس تم إشعالها ما بين العراق و الجارة إيران إلا أن أبناء “الرشيد” استطاعوا الخروج منها سالمين.
لكن نجاح العراق ووصول جيشه للمرتبة الرابعة عالميا خصوصا من جانب التطور و التسليح العسكري هّدد الكيان الذي تم زرعه سنة 1948 في الشرق الأوسط,مما جعل بقاءه أمرا مستحيلا فراح أزلامه يدسون الدسائس لتعرض العراق لهجوم موازي لذاك الذي قاده الهمجي المغولي هولاكو الذي قضى على الخلافة العباسية بعد ثمانية قرون من التكور و الرقي.
و ها نحن اليوم نتذكر بكل أسف و ألم الإجتياح الهمجي الذي قادته الولايات المتحدة و استباحت الدماء و الأعراض و حطّمت البنى التحتية و أعدمت رئيسا منتخبا و محبوبا من قبل شعبه في مسرحية درامية استندت على سندات مغشوشة,و كانت حربا وهمية تحت عنوان القضاء على أسلحة الدمار الشامل التي قابلها بحق دمار شامل لا تزال تبعاته تتبع هذا البلد الذي أريد له البقاء دوما بعيدا عن كل تطور و رقي.