إذا كان الكاتب الفرنسي “مارسيل بروست” عند تذكره لنوستالجيا طفولته ربطها بحلوى “المادلين” التي كانت تعدها عمته و التي عند استنشاق رائحتها مجّددا في كبره عادت به ذاكرة تخزين اللاوعي لزمن الصبى,فإن المتحدث في هذا المقال و أثناء إعداد زوجتي يوم أمس لطبق السّفة -الكسكس+السكر- أو بالأحرى الطعام بلا مرق تحسبا لتناوله في أول أيام سحور رمضان,ضربت حاستي الإدراكية أمواج زلزال هّز مشاعري و أيقظ ذكريات الحنين في مخيلتي.
فعادت بي “بوبينة” الذكريات إلى زمن البراءة أين كنت برفقة الأطفال في مثل هكذا فترات بحي مارفال المدعو حي العثمانية حاليا نترقب هلال الشهر الكريم تماما مثلما يشتاق له الشاب و الكهل و الشيخ الكبير,فبمجرد أن يعلن على انطلاق العد العكسي لبدء الصوم إلا و تجد الأطفال في مارافال يضيؤون الشوارع بالقناديل على الطريقة الجزائرية,و تبدأ حملات العراك بين أفراد الحومات على طريقة المعارك التي يخّطط لها أحد أذكياء الحي و تنفذها البقية المتبقية و يبدو أن الأمر انقلب إلى حقيقة حتى أن معظم أبطال الأمس أصبحوا حماة ديار اليوم.
فالحديث عن شهر رمضان يقودك أيام زمان إلى خمسة عشر يوما أو أكثر قبل هذا الحدث الديني,أين تشّمر النسوة عن سواعدهن و تبدأ بالبركشة أو فتل الكسكس الذي تراه يتمّثل أمام ناظريك من مرحلة لأخرى كأنه جنين يتشّكل فمن دقيق السميد إلى نصف كسكس الذي يبدأ يأخذ شكله النهائي مع أيام طوال يقضيها تحت أشعة الشمس مسّجى بأحلى أغطية الصيف ليصل بعدها كأول وجبة لأول سحور و ليس آخره كي يتقوى به الإنسان على مشاق شهر الصيام.
ذكريات رمضان تنافست للخروج من ذاكرتي لكن كانت الغلبة في ثاني مطاف للدورات الكروية لأيام زمان,أين كان ملعب “باطيمات الكاتريام” و ميدان “ليسي مارافال” و “بلاسيطة مسجد قباء” و “حي الراديوز” و “باطيمات سوناطراك” مسرحا لها,فهناك كنا نشاهد لاعبي مولودية وهران أمام أعيننا و هم الذين كانوا يأتون و ينحنون احتراما و إجلالا للمرحوم “المايسترو” فريحة إبن مارافال,و كنا نتسابق لمّد أيدينا لأجل مصافحتهم بعد نهاية أي لقاء فالمعنيين من عيار مقني فيصل و الصادق مازري إبني مارافال و مراد مزيان سليل حي شوبو و حفيظ تاسفوت على سبيل المثال كانوا مبّجلين على طريقة نجوم السينما المشهورين,و هم كانوا يستحقون كل تلك الجلبة فأداؤهم الخرافي يمحو كل ما يقدمه “كرعين المعيز” في الوقت الحالي.
أما أعّز ذكرى فهي التقاء شمل العائلة على طاولة رمضانية رغم بساطة نوعية المأكل و المشرب فيها لكنها كانت لكل واحد منا بمثابة طاولة حواريي عيسى,فلربما ذكرى الوالد الذي كان سيدها أنزل الله عليه شآبيب الرحمة هي التي كانت تزينها,و مع التلّذذ بمتابعة نجوم كوميديا زمان من عيار سلسلة “شعيب الخديم” و “عايش بالهف” للمخرج حويذق و كذا إطلالات المرحوم “حديدوان” و سلسلة “بلا حدود” كانت تدخل علينا الفرحة بلا حدود.
و ما يجري في الخارج بعد ساعات الإفطار فاق كل مواعيد الأخبار,حيث مقاهي زمان كانت تضرب المواعيد للشيوخ و الكهول بعد انقضاء صلاة التراويح التي كان يتسابق الجميع لسماع ترتيل العلّامة المرحوم سليل جمعية العلماء المسلمين الشيخ “معمر حني” الذي كان ينتفع الناس بعلمه الوسطي بعيدا على كل غلو و كان يجد دوما مفاتيح الحل لكل ما هو متحزب و يضيف لعمله إصلاح ذات البين فرحمة الله عليه و على الشيخين السنوسي و الزوبير.
ذكريات رمضان تقودني أيضا إلى نهج “شوبو” أين كان يعتبر متنفس أبناء حي مارافال فبالرغم من أنه كان حي إقاميا بامتياز إلا أنه لم يكن يكتسب الغوغاء التي أضحى معروفا بها على مقاس سوق دبي حاليا,فالمنظر فيه يذّكرني بمثلجات عمي بوجلال التي تستفيض ذاكرتي عبق عطرها الزّكي خصوصا ما تعلق بنكهة “الفريز” و “الكريبوني”,لنمضي بعدها على عجالة نحو جنة الأحلام التي كنا نتسابق في الوصول إليها قاطعين أشواطا ما بين حي مديوني و الحمري لمجرد أن نرى ضوء الملاهي و العجلة الكبيرة و “بابور زمزم”,أين كنا فقط نمتع أنظارنا و نحن أطفال و نحّس بالنشوة على طريقة الكبار بأننا قطعنا الأحياء الساخنة للوصول إلى جنة الأحلام.
ذاكرتي كي لا أطيل عليكم تحمل من رمضان ذكريات اقتراب شهر عيد الفطر الذي نسميه مجازا بالعيد الصغير,حيث لا زلت أرى أمامي صينيات “الكحك” و “الطورنو” و هي تجوب كوشة “شيكولة” أو خالتي حسنية رحمهما الله هي و زوجها و هي تقلّبها ذات اليمين و ذات الشمال,مثلما هو الشأن لكوشة المعسكري دون نسيان ذكريات الذهاب بالسّيف مع الوالد لحمام “زوليخة” و حمام “المعسكري” دون نسيان حمام “شتوان” لكي نتأهب عبر سلخنا و برمنا من الأوساخ لصلاة العيد و التباهي بعدها بالملابس التي كانت تحمل في مجملها علامة “سونيتيكس” و كنا فخورين بعبارة “صنع في الجزائر”.
نعم يا سادة هذه هي ذكرياتي و أظن أن أولاد “حومتي” سوف يبكون و يذرفون الدموع الحارّة خصوصا من هم في الغربة مثل بعض أحبابي و أصحابي,و مع ذرفي أيضا الدموع و أنا أكتب متحسرا و حال نفسي يقول “كل وقت و مواليه” و الرحمة للوالد و لكل أباء و أمهات المسلمين و كل من علمنا و كل من له فضل علينا.
و من هذا المنبر تتمنى جريدة “المقال” لجميع الجزائريين و الأمة الإسلامية في مشارق الأرض و مغاربها رمضان سعيد مبارك,و معذرة لكل من حفرت في ذاكرته نفقا فتح عليه بابا من أبواب الزمن الجميل,الذي استبذله أطفالنا حايا بال”بلاي ستياشن” و استبذلته نساؤنا بالكسكس الجاهز,فألف سلام و تحية لذكريات زمان و ماذا عسانا أن نقول سوى يبقى المكان و تتبدل الأزمان.