ما قل ودل

المهاجرون المسلمون في الغرب…قراءة نقدية لكتاب بشير خليفي في جزئها الثاني

صورة لإحدى المظاهرات المضادة للإسلاموفوبيا في الغرب

شارك المقال

بقلم الأستاذ سي الناصر عبد الحميد

الجزء الثاني

نعود في الحلقة الثانية من القراءة النقدية لكتاب الأستاذ بشير خليفي المعنون ب”المهاجرو المسلمون في الغرب” و التي انتهينا من خلالها في الحلقة السابقة حول تخوف الغرب من تنامي عدد المسلمين لتتحول هذه النظرية إلى سبب رئيسي في العمل الإرهابي الذي قام به الأسترالي “Brenton Tarrant” البالغ من العمر 28 سنة والمتهم بقتل 50 مصلي وجرح العشرات بطريقة وحشية ودون تمييز ولا شفقة .

كما جاء في البيان الطويل الذي حرره هذا الأخير قبيل القيام بعمله الإرهابي، حيث أعلن كراهيته الشديدة للمهاجرين المسلمين ومدى تأثره بنظرية الاستبدال العظيم،كما أضحت ظاهرة الإسلاموفوبيا عناوين رئيسية للحملات الإنتخابية ومواضيع جالبة للأصوات يدغدغ بها السياسيون الغربيون عواطف الناخبين لما وصل عليه تأثير هوس خطر الهجرة على المواطن الغربي بفعل الضخ الإعلامي المتواصل على هذا الأخير،ومثال ذلك ما قام به الرئيس الأمريكي   Donald Trunp سواء في حملته الإنتخابية أو أثناء تعليقاته على أعمال العنف التي يرتكبها المتطرفون أو رفضه لتجديد الإقامة للمسلمين و غلق باب الهجرة إلى أمريكا بحجة أن الإسلام يكره أمريكا.

وأمام مأزق الشعور بالخطر الوجودي سواء من قبل المهاجر المسلم الراغب في العيش في وسط أضحى يوفر له، بحكم فكرة المواطنة، مبررات العيش الكريم والسعادة و الرفاه الذي سعى لتحقيقها من خلال الهجرة، والخائف أيضا، من أن يفقد هويته الثقافية والدينية المتمسك بها عن وعي ورغبة منه من جهة، وشعور المجتمع الغربي من تهديد ثقافة الوافد لثقافته الأصلية ومزاحمة هذا الأخير، فيما توفره الحضارة الغربية لمواطنيها و المنتمين إلى جغرافيتها من امتيازات ورغد العيش من جهة ثانية.

يطرح الأستاذ بشير خليفي حلا نظريا لهذه الإشكالية الثقافية من خلال فكرة الحوار والتعايش الحضاري، حيث يضع لها شروط و ضوابط تسمح بإنجاح فكرة الحوار، يقع بالمقام الأول احتمال نجاحها على المهاجر المسلم، باعتباره  مركز البحث و عنوان المبادرة من جهة و كونه أيضا، الوافد على هذه المجتمعات الغربية و الراغب في البقاء على أرضها. فيجعل من الاهتمام بالأسرة والتنشئة الحسنة المبنية على توجيه والتقويم السلوك نحو القيم الإنسانية  على غرار محبة والتكافل والتفهم والتفاهم  عاملا أساسيا في تكييف سلوك الفرد من أجل التحضير لحوار حضاري ناجح.

ولا يمكن أن يتحقق هذا الشرط دون العمل على تخلص – المهاجر المسلم- من الصور النمطية في المناهج الدراسية الناجمة عن الأحداث التاريخية التي تقف حائلا أمام حوار حضاري رصين، لكن لا يعني ذلك عدم معرفتها في حالة ورودها، بقدر  ربطها بسياقها و استخلاص عبرها، الأمر الذي يجسد فعليا نية حسنة في إزالة العوائق و المنغصات وذلك بغية تحقيق التفاهم وفضيلة التعارف مع الأفراد و المجتمعات المختلفة.

و من هنا يصبح التسليم بضرورة الاختلاف ومشروعيته، من قبل المهاجر المسلم، مدخل أساسي لفكرة الحوار الحضاري والتعايش الثقافي، ولا يمكن أن يتحقق هذا الشرط في نظر الأستاذ خليفي بشير، دون أن تعتمد هذه المشروعية على الاجتهاد الاحيائي والبنائي من خلال الحجة المعرفية والطرق الاستدلالية العلمية في إفهام الاخر المختلف ثقافيا، بأبعاد القيم الإسلامية بعيدا عن التعصب والنرجسية الزائدة وفي إطار احترام خصوصية المجتمعات المستقبلة وعدم الدخول والخوض فيها أو الاعتماد على الأفكار المسبقة التي تحول دون تفهم هذه الاخيرة.

إن سر نجاح فكرة الحوار الحضاري والتعايش السلامي لا يمكن أن تتحقق دون تغييرا أساسيا في ثقافة المهاجر المسلم، ولا يمكنها أن تتجلى، هذه الفكرة على أرض الواقع، دون تطور ذهني في كيفية التعاطي القيمي لهذا الأخير مع الآخر، من هنا يصبح اعتماد طريقة في تحقيق هذا التكيف أمرا ذو بال في نظر الأستاذ بشير خليفي، لهذا يعتمد في ذلك على التحضير النفسي و السيكولوجي من خلال استعمال الفن والإبداع في تهذيب العلاقة بين المهاجر و مجتمع الهجرة.

حيث يعد الاستثمار في الأبعاد الجمالية التي تحتويها العادات الدينية و الفلكلور الثقافي للمهاجر المسلم وسيلة للتعريف بثقافته للأخر، كما يعد ترقية الذوق الجمالي للمهاجر وسيلة ناجعة في الدفع به نحو اللاعنف وتربية النفس على الإبتعاد عن الغلو و القرب من ثقافة التعايش الحضاري. كما تعد المعرفة بالفلسفة الغربية لما تحتويه من عناصر وأساليب منهجية مفضيه إلى الوعي بثقافة الاختلاف وفقه التعايش عامل مهما في إنجاح فكرة الحوار الحضاري مع العمل على إبراز حالة التثاقف التي نشأت في أحضان الحضارة الإسلامية في الأندلس خاصة، فعل قد يدفع نحو تمتين فكرة التعايش والحوار الحضاري بين المهاجر المسلم والمجتمعات التي اختارها هذا الأخير كي تكون مقر استقراره وتبديد التشنج الذي يعتري هذه العلاقة.

يتبع

نال المرتبة الثانية في مسابقة قطر العالمية لحوار الحضارات…السي الناصر يلخص للقراء كتاب “المهاجرون المسلمون في الغرب”

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram