ما قل ودل

المهاجرون المسلمون في الغرب…أزمة العقل الغربي تعيق الإندماج الحقيقي

كريم بن زيمة رغم كل عقبات العالم الغربي يعتبر مثال نجاح لأبناء المهاجرين المسلمين

شارك المقال

 

الأستاذ سي ناصر عبد الحميد

الجزء الأخير

في خضم التسليم من قبل العقل الغربي بالمسلمة ” المنطقية “، وبفعل المخلفات والمفاعيل التي أفرزتها التحولات المعرفية والتاريخية في الجسم الغربي وظهور فكرة الكولونيالية وتمظهرها من خلال الاستعمار وما انجر عنه من احتكاك بين المستعَمر ومستعِمر وكذا ظهور ظاهرة الهجرة من البلد المستعَمر الى البلد المستعمِر، تشكل داخل المجتمعات الغربية المستعمِرة جيل من أبناء المهاجرين تكون ودرس وتعلم وفق المناهج الغربية.

و أضحى بحكم جنسيته و مولده الغربي مواطن غربي بكل ما تحمل كلمة مواطن من معنى، حيث أضحى يساهم من خلال نشاطه الإجتماعي و السياسي في تحقيق أهداف الدولة التي يحمل جنسيتها و يحمل ألوان علمها في المنافسات الدولية و يحقق نجاحاته باسمها.

إلا أنه و بحكم أيضا أصوله الإسلامية و نتيجة أيضا لمعتقده الإسلامي، يرغب في المحافظة على ثقافته ومعتقده تحت راية هذه الدولة أو تلك لأنه بكل بساطة مواطن فرنسي أو بريطاني أو بلجيكي …. من هنا يمكننا أن نتساءل نحن كملاحظين و كمهتمين بالموضوع: “هل تستطيع الرؤية الغربية اليوم، باعتبارها أرقى ما استطاع العقل البشري إنتاجه كنموذج فريد تمكنت من تذليل عقبات الفروق العرقية و الدينية، أن تحقق لهذا المواطن الغربي الجديد و المسلم في معتقده.

فرغباته في العيش وفق رؤيته الإسلامية التي تحمي بقائه حتى و إن كان تدينه وفق إسلاميته يتعدى دائرة الفردنية وتتعامل معه كمواطن يستحق أن يعيش وفق ما تمليه عليه تصوراته في اطار المواطنةو الحرية التي استطاع الغرب أن يوسع دائرتها، رغم اختلاف هذا المواطن الجديد مع باقي المواطنين الأصليين؟…أي هل بمقدور الرؤية الغربية بوصفها نهاية للتاريخ أن تستوعب المخالف لها عقديا وتضمن له العيش وفق معتقده تحت ضل فكرة المواطنة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب يلفها الكثير من التسرع والسذاجة المعرفية، فالقبول بتحول مسلمات أي نظام معرفي، والذي في حالتنا هذه العلمانية، يعني بالضرورة التسليم بعدم صحة هذا النظام المعرفي وهذا أمر لا يمكن أن تسلم به الرية الغربية اليوم وهي تسيطر على العالم سيطرة حضارية بالدرجة الاولى.  كما أن الإجابة بالنفي يجعل من كون الرؤية الغربي نهاية للتاريخ، بالمعنى الذي طرحه فوكوياما، أمر يحتاج الى إعادة نظر وتأمل من قبل العقل الغربي نفسه.

إذ أن عدم قدرة هذا العقل على تصحيح مرتكزاته المعرفية حين تتناقض وواقعه الموضوعي، كإعادة النظر في مقولات العلمانية وسردياتها، في ضل المعطى الديمغرافي الراهن، يعد مؤشر عن وجود أزمة داخل هذا النسق المعرفي، قد تدفع به نحو فقدان توازنه وبالتالي ظهور مبررات فنائه، فقد اضحى حينها، غير قادر على الإجابة المنطقية على إشكاليات الراهن وفق رؤيته تلك و المبنية على هذه المسلمات، و تنفي عنه كونه النموذج المتكامل، و قد تجعل من أزمته تلك، مقدمة لظهور نماذج جديدة تؤسس لتجارب معرفية و فكرية أخرى، مخالفة من حيث التصور الكلي للفكر العلماني.

إن عدم قدرة فكرة العلمانية من التعديل من مسلماتها المعرفية التي فرضتها تجربتها التاريخية، يعد أزمة هذا العقل اليوم، وانه وصل لمرحلة لم يعد فيها قادرا على الإجابة الواقعية لما افض اليه وضعه الاجتماعي الذي اصبح فيه الإسلام كديانة جزء من تركيبته الاجتماعية سواء بانتماء الأوربي له أو بتجنيس المهاجر المسلم بجنسية البلد الذي اختاره للعيش، حيث بدأت تتشكل في فضائه المعرفي إشكالات تؤشر على وجود فراغا ما في رؤيته هذه.

فسؤال ما بعد الحداثة و إشكالات مدرسة فرنكفورت لدعوة الى مراجعة هذه المسلمات، و قد يكون أيضا ما يحدث اليوم على محور واشنطن موسوكو بين المنظومة الغربي المتمثلة في الناتو من جهة وروسيا من حالفها من بلدان الشرق من جهة أخرى، من نزاع ثقافي وحضاري بوسائل عسكرية على أراضي أوكرانيا و توجه الشرق نحو نظرية ألكسندر دوغين ودعوة الكثير من الدول إلى نظام عالمي جديد تتعدد فيه القطبية.

كما يعد أيضا ظهور أصوات داخل المنظومة الغربية نفسه تدعوا الى إعادة النظر في المنظومة الاسرية وترشيد العلاقة الزوجية من خلال دق نقوس الخطر الذي بات الزواج المثلي يشكل خطره الرئيسي على الاسرة في الغرب، من بين هذه الارهاصات التي تؤشر على وجود أزمة داخل المنظومة المعرفية الغربية ذات التوجه الرأسمالي.

إن أزمة المهاجرين المسلمين في الغرب ليست عدم قدرتهم على التأقلم مع منظومة القيم الغربية التي تعكسها فكرة المواطنة، بقدر ما هي أزمة عقل، العقل الغربي، لم يتمكن من النظر في مسلماته التي أضحت عائق أمام التطور التاريخي للأفكار، يرفض الاعتراف بضرورة إعادة النظر فيها لما يدركه من خطورة قد تنجر على المستوى الوجودي لهذه الأفكار من جراء الاعتراف بذلك.

من هذه الزاوية، اعتقد، أنه يجب النظر إلى فكرة الحوار الحضاري بين المهاجرين المسلمون والغرب، والدفع نحو علاقة إيجابية بينهما يحتاج الى مصارحة معرفية تأخذ بعين الاعتبار العوائق العميقة والجوهرية لهذه العلاقة التي يلعب فيها تاريخ الفئتين والأفكار المؤسسة لهذا التاريخ دورا ضابط لراهن هذه العلاقة. ولعل تصريحات الرئيس الفرنسي حول أزمة الإسلام اليوم في الغرب دليل على هذه الفكرة التي حاولنا شرحها في هذا المقال المقتضب، وأن الازمة في حقيقتها تكمن في تصلب رؤية الغرب حول مسلماتها المؤسسة، التصلب الذي لم نتمكن من استشعاره لما لأفكار الغرب وتجربته التاريخية من ضغط في توجيه تفكيرنا كمجتمعات خارج التاريخ.

إنتهى

بين التزامات الهوية الدينية و مقتضيات المواطنة…التأقلم مع الوضع الجديد يبقى هاجس المهاجرين المسلمين

 

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram