ما قل ودل

كرّموا الفنّان بعرجون التمر الآن و ليس قبل فوات الأوان…عن المرحوم المخرج زكريا قدور براهيم أتحدث

شارك المقال

مثلما تجري العادة التي أضحت سّنة قبيحة في عرف مجتمعنا لا تزال مقولة “كي يكون حي مشتاق تمرة و عندما يموت يعلقوله عرجون”,و هذا المثل بطبيعة الحال أضحى ينطبق على كل فنان أو أي مختص في أي مجال الذي يعاني في فترة تميزه و بالأخص في زمان تقاعده الأمرين من مجابهة أعباء الحياة أين تدفع عزة النفس لتحّمل تكاليف ما لا تطاق,حتى ينفجر الداخل إما برحيل الجسد في صمت أو العيش تحت وطأة الغلبة و القهر و لعل ما عاناه الفنان الملّحن “رحال الزوبير” من ضيق الحال أقسى و أمّر مثال لا ينبغي تكراره.

و آثرت الدخول بهكذا مقدمة التي تحمل نوع من الأسى و الألم للوقوف وقفة إجلال و تكريم للقامة الفنية الراقية التي غادرتنا في صمت,مثلما عاشت في صمت و عملت كذلك أين تشهد لها أعمالها بعلو الكعب و ليس الفخفخة و الفرفشة مثل الجعجعة بلا طحين كما نشاهد في وقتنا الحالي.

فالجميع و لا أستثني نفسي منهم نكون قد نسينا تماما المخرج “زكريا قدور براهيم” حتى غادر العالم الفاني إلى الدار الباقية,و لم يدر و لا أحد كيف كانت مسيرته النهائية مع أننا نعرف تمام المعرفة قيمة مسيرته الفنية,فالرجل ترّجل عن المشهد الثقافي منذ أمد بعيد لكن لم نلاحظ و لا مرة أدنى تكريم لهاته القامة التي تزاوج عطاؤها مع سنوات الفن الراقي,أين أنجبت أعماله “المفتش الطاهر يسجل الهدف” و السلسلة الفكاهية “شعيب الخديم” و كذا البرنامج التربوي “سورة و صور”.

و لا أحد منا ينكر أن المرحوم استطاع بوسائل عصره أن يعتصر فيلم “السبيكتور طاهر” في قالب كوميدي تعّرض من خلاله لمشاكل كرة القدم التي لا تزال تعّشش لحد الآن دون إيجاد أذنى حلول لها, و استطاع في ذلك الوقت تعرية الواقع المسكوت عنه لحد الآن بإيحاءات رمزية كشراء الذمم في عالم المستديرة الساحرة و تقّمص لاعبين دون المستوى ثوب نجوم كروية و انتقل بعدها لأزمة السكن التي تنجر  عنها أزمة عنوسة.

و لا أحد منا ينكر أن المرحوم قدور زكريا براهيم فجّر  طاقاته في سلسلة “شعيب الخديم” حيث أبى مؤخرا سوى الإلتحاق برفيق دربه بعد سنوات من الفراق “صراط بومدين”,أين استطاع المرحومان خلال هذه السلسلة أن يبدعا في فك شيفرة الآفات الإجتماعية و المظاهر السلبية التي يجب أن يتجنبها أفراد المجتمع,حيث لبس الممثل الراحل صيراط  أثواب عدة شخصيات و استطاع زميله الحاج قدور زكريا أن يأخذ بيده لإخراج كل ملكاته ليبقى مسلسل “شعيب الخديم” عالقا في أذهان كل من عايشوا حلقاته و استخلصوا العبر منه دونما شك في تلك الفترة.

و ما يجب نحن الآن أن نستخلصه من رحيل أيقونة من أيقونات الفن و طريقة إخراجه للناس,هو كيفية الإستفادة من هكذا قامات التي استطاعت أن تترجم الواقع المعيش في قالب كوميدي في أهواز و بهو و الحديقة الخلفية لمحطة وهران الجهوية,حيث لم يكن إبداع الراحل قدور زكريا براهيم يشترط كراء الفيلات و لا أموال “السبونسورات”,بل كان يحتاج للدّقة و التفاني في العمل و النّية الصادقة التي ترجمت على أرض الواقع بأعمال خالدة.

فرحم الله المخرج قدور زكريا براهيم و ألهم ذويه الصبر و السلوان مع تقبل تعازي جريدة “المقال”,و كل ما نرجوه من الجهات الوصية أن ينّقبوا على الفنان في حياته و تقاعده في الوقت الراهن و تكريمه بعرجون التمر الآن و ليس قبل فوات الأوان.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram