بقلم سي الناصر عبد الحميد
كتب أحد الاساتذة على شبكة التواصل الاجتماعي عن الأسباب التي تقف خلف غياب التغيير في المجتمعات العربية، ونفى أن يكون غياب الوعي هو سبب ذلك، بل يعتقد أن تسعون بالمائة من الشعوب العربية واعية بواقعها و بما يحدث لهاـ إنما يرجع الخلل إلى كون هذا الوعي لا يصاحبه المستوى الكافي من الالتزام l’Engagement ، مما يشجع و تحت ضغط ممارسات السلطة الحاكمة، شيوع الطمع و الانتهازية بين افراد هذه المجتمعات.
لعل استاذنا الفاضل على حق في كثير مما جاء في مداخلته و في السياق الذي تعرض فيه لخاصية الوعي، لكن و إذا سلطنا الضوء على هذه المفردة و حاولنا أن نحللها بما يتناسب و ثقل محتواها الفكري، لا يسعنا إلا أن نطرح السؤال الذي نعتقد أنه ضروري و ملح في مثل هذه الحالة و الذي عنونا به هذا المقال. ما الوعي؟
يرشد المعجم إلى كون معنى كلمة وعي تفيد الفهم و سلامة الإدراك، مما يعني ، و التصاق بموضوعينا، أنه ليس القصد من هذه الكلمة امتلاك المعلومات عن الواقع و ما يحدث فيه من أمور سلبية أو إيجابية، بقدر ما يعني الإدراك الذاتي لتصرفات و ردود الفعل العميقة المترتبة عن الأفعال، و هل هي متناغمة و المعايير الكلية لمنظومة القيم التي تحكم تصوراتنا أم هي مناقضة لها.
هذه القاعدة، فيما نعتقد، تحدد مفهوم الوعي من الناحية النظرية، و تسمح لنا بمناقشة الموضوع انطلاقا من خلفية نظرية تسدد رؤيتنا في فهم إمكانية حدوث الوعي و مستواه لدى المجتمع، و هل هي فعلا مجتمعات واعية أم أن ما نلحظه من قدرة هذه المجتمعات على الإحساس و الشعور بواقعها و ما يحدث لها يدخل في نطاق الوعي بالمعنى النظري للكلمة أم هو مجرد إحساس، كإحساس الإنسان بالبرد و الحر … أي أنه مجرد احساس غرائزي لا يرتقي إلى مستوى حقيقة مفهوم الوعي المرتبط أصلا بالعقل.
تؤشر الكثير من الملاحظات التي نسجلها في حياتنا اليومية و التي تمر علينا دون أن ننتبه إليها في كثير من الأحيان، على مستوى وعي المجتمع و درجة إدراكه السليم أو الغير سليم لصورته الذهنية عن نفسه، و قد تتمظهر هذه المؤشرات في سلوكيات بسيطة لا نًعيرها للوهلة الأولى و قبل أن نعرضها للتحليل، أي اهتمام و عناية، رغم أن المقولة الشائعة ، اختيار المرء نصف عقله، شعار يسكن ثقافتنا و نكرره في كلامنا دائما.
من بين هذه المؤشرات و الملاحظات، تلك التي تصادفك و أنت تتجول في شوارع المدن و أزقتها،محملق في ما يحيط بك من إعلانات و كتابات تُعرف بالمحلات التي تزين هذه الشوارع و الطرق و المكتوبة باللغة الأجنبية، و التي يتفنن أصحاب هذه المحلات في رسم حروفها و يتنافسون في تبيان جمالها و رونقها، من أجل جلب الزبائن و المشترين، مما توحي بأن هذه اللغة هي اللغة الأصلية لهذا المجتمع.
و يزيد تساؤلك و دهشتك في نفس الوقت، و أنت تتعرف على بعض أصحابها ، حيث أن الكثير منهم لا يحسن هذه اللغة و لا يتقن قواعدها، بل قد يكون من بين ضعيفي المستوى التعليمي ، فيجتاحك تساؤل بديهي: “ما الذي دفع بهؤلاء إلى الكتابة بحروف لا تمت بصلة للغتهم و لا ثقافتهم؟” ، فمن المفترض و حتى بفعل غريزة الانتماء، أن تكون هذه اللافتات مكتوبة بلغتهم الأصلية لأنها الأقرب إليهم، كما أنها اللغة التي تشكل محيطهم الطبيعي الذي يمارسون فيه تجارتهم، كما أن اللغة العربية هي هويتهم الثقافية و الوعاء الذي تربوا و نشؤوا فيه.
هذه التساؤلات تبادرت إلى ذهني و أنا أمر في شارع من شوارع المدينة التي أسكنها باحثا عن أشياء تخصني، فطرحت بعضها على أحد الباعة الذي كنت أبتاع منه هذه الأشياء، فرّد و بدون تردد أنه لا يهم اللغة التي نكتب بها على واجهة محلاتنا، المهم أننا نمارس عبادتنا و نحاول أن لا نغش في تجارتنا و أن نلتزم بأصول التجارة و قانونها، كما أن العالم اليوم ، أردف قائلا هذا الشاب الوسيم، تسيطر عليه لغة الغرب التي نجلب منها هذه السلع و المنتجات فكل شيء أصبح غربيا، لهذا لا نجدد غضاضة في الكتابة باللغة الاجنبية على محلاتنا، بل و للأمنة، لم نفكر مطلقا في كوننا نكتب بها.
قد يكون ما رّد به هذا التاجر فيه بعض الصحة أو قل بعض الواقعية، و قد يكون هذا المنطق هو ما يسود تفكير جّل تجارنا و حتى الناس العاديين من أبناء مجتمعنا، لكن و من المنظور الذي حاولنا الاستناد إليه سلفا من جهة ، و إذا أخذنا رّد هذا التاجر كعينة عن باقي المجتمع من جهة أخرى، لا يمكن إلا أن نتساءل، هل يحمل هذا الرّد اشارة على تصور واعي من قبل هذا التاجر لمدلول كتابة اللافتة باللغة العربية؟،
و هل يعي فعلا هذا الأخير أن الكتابة بلغته الأصلية تحدد، في مجال الانتماء، موقعه كإنسان داخل الخريطة الثقافية للبشرية، و أن فعل الكتابة بلغته الأم يبين و يفسر، مدى التناغم المنطقي بينه و بين منظومة القيمية التي يتبناها و ينتمي اليها و بالتالي يجب أن تتمظهر في سلوكه و تصرفاته، ليس لأنه عنصري متزمت إنما لأنه كائن عاقل يسعى للعيش وفق منطقه الذي يعي من خلاله دوره في الحياة.
إن الإدراك السليم لخلفيات الأشياء و درجة اقترابها من مجال الخطر الذي قد يصيب بنيتنا الفكرية و الثقافية و الذي قد يدفع بها نحو التلاشي و الاضمحلال، هو ما يمكن أن نطلق عليه صفة الوعي و بالتالي هو ما سيحدد مستوى شعورنا بالخطر الوجودي، و الذي بدوره أيضا، سيدفع بنا نحو مقاومة اأي عوامل ستوفر مبررات الخنوع و الاستسلام لواقع لا يتماشى و ما نطمح إليه.
أو بتعبير أكثر دقة، هو ما سيقضي على النفاق الاجتماعي و سيجعل في ذهن كل فرد داخل المجتمع، من فكرة الالتزام، التي أشار اليها الأستاذ الفاضل، حاجة ضرورية تشكل داخلنا الالية الدفاعية التي نحقق من خلالها كأمة رؤيتنا الحضارية بين باقي الرؤى التي تشكل الخريطة البشرية للعالم.
