ما قل ودل

قراءة في رواية الراقي والمسحورة…الكاتب محمد شارف يخرج من بحر الرقية بعمل أدبي

شارك المقال

بقلم تليلي نوال

إن رواية “الراقي و المسحورة” رواية ذات طابع اجتماعي ديني حاول الكاتب محمد الشارف أن يجّسد فيها ظاهرة الرقية من خلال عمل أدبي يعتبر الأول من نوعه على الصعيد المعرفي.

حيث يرى الكاتب أن الراقي هو وليد ظروف اجتماعية جد معقدة قد تكون مفروضة عليه,حيث يتجسد ذلك في المؤلف عبر لسان البطلة “فتحول إلى راق رغم أنفه” و لكن هذه الشريحة الإجتماعية كغيرها فيها المثقف الذي يملك أطروحات فكرية ذات خلفيات دينية و فيها الجاهل المتطّفل الذي يهرف بما لا يعرف .
ومن خلال الرواية نرى النسيج الفكري و الاجتماعي اللذين يتحرك من خلالهما الراقي عبد الحفيظ ضمن علاقات محدودة بدافع الخوف و انعدام الثقة طورا ورغبة في السمو الخلقي و الاستقامة طورا آخر.

و لكن من خلال هذا العمل الأدبي سعى المؤلف محمد الشارف بتشريح الراقي و المتعاملين معه عبر الغوص و التحليل النفسي و الحديث مع الذات الذي يعتبر سابقة هذا العمل مقارنة مع سبق من المؤلفات في هذا المجال.

حيث لمسنا في ثنايا الرواية رغبة في إقناع القارء في التعامل مع الظاهرة بموضوعية وعدم إصدار أحكام مسبقة عليها.ونلمس ذلك في الحوار الذي أجري بين الراقي و طبيب العيون في الفصل الخامس من الرواية.

فهذا النوع من الطبوع الروائية عند الأستاذ محمد شارف ليست شقشقة لفظية أو قوالب لغوية جاهزة أو دعوة للتسلية و الاستخفاف بعقول القراء,وإنما هي تقديم عمل فني بمثابة مائدة متنوعة المذاق يمتزج فيها الفكر بالفن,دون طغيان أحدهما على الآخر.و كأن الكاتب ينتقد عمليا النظرة إلى الرواية وكأنها ذلك الشبق الحّسي أو الدعوة إلى الثورة على كل شيء ولو كان مقدسا.

ففي روايته تأخذ فكرة عن الرقية و الممارسين لها وعن الجن وعن السحر,وعن زبائن هذا النوع من العلاج,ونحن قد نتفق مع الكاتب أو نختلف لكننا لا نملك في النهاية إلا احترامه,لأنه مبدع وليس مقلدا.

ما لمسناه لدى الأستاذ محمد الشارف أنه في كل رواية يصدمنا بعمل غير مسبوق في طريقة طرحه و أفكاره,و المتابع للساحة الأدبية يدرك تماما بأن الأعمال الأدبية التي تحصد الجوائز العالمية و تحقق أكبر نسبة من المبيعات هي تلك الروايات التي تتناول المواضيع الغيبية التي لها علاقة بالجن و السحر و ايضا قراءة المستقبل .

و الغريب أن هذه الكتابات لها معجبون بها و يقومون بإثرائها نقدا و تحليلا رغم أن الرؤية الغريبة المسيحية لهذه المواضيع تختلف عن الرؤى الإسلامية العربية و بدورنا نتساءل فإلى متى التقليد الأعمى و الإنبهار بالوافد في حين أننا نستطيع صنع البديل كما يفعل كثير من المبدعين ومنهم الأستاذ محمد شارف خلال هاته الرائعة.

و حسب رايي عندما قرأت الرواية فوجدت نفسي مؤمنة بهذا الخط الروائي كقارئة باحثة عن الجد ، وهاربة من السفسفة والابتذال التي تحاول بعض الأعمال أن تجعلنا حبيسين لها,ولا خير عندي في رواية لايملك صاحبها موقفا يطرحه بأسلوب فني مقنع ولست في ذلك من دعاة الأعمال الوعظية و تسطيح الأفكار لأن المواعظ لها أمكنتها و مجالاتها و الأعمال الفنية لها مجالاتها أيضا.

فمن خلال داسة رواية “المسحورة و الراقي” لمست أن التخلي عن أي ثغر من الثغور الثقافية يمّكن أعداءنا من بث سمومهم,في أوساط مجتمعاتنا. و نحن نتفق مع الكاتب مثلما جاء على لسان بطل الرواية في الفصل الخامس ” لقد رأيت ميدان الأدب فارغا فسددت هذا الثغر الذي دخلتنا عبره الماركسية وعرّانا من خلاله صنم الحداثة الذي أصبح المثقفون يعبدونه من دون الله”.

وم ن خلال ما لمسناه في صفحات هذا العمل الأدبي أن القارئ لا يحتاج صعوبة في إدراك مراد الكاتب,فهو لايقصد العبادة بمعناها القداسي الديني,و إنما يقصد اتخاذ الحداثة كمنهج و أسلوب حياة و تحكيمه في كل شيء.

فالمتمعن لأحداث رواية ” الراقي والمسحورة” يجد ما يبهره و يمتعه,فالراقي عبد الحفيظ الذي جمع بين الثقافة و الرقية ، والتاجرة الثرية نسيمة التي جمعت بين المال و الثقافة و أيطال الرواية الآخرون .. سعيد زوج نسيمة المقاول الذي علا نجمه في عالم المال و الأعمال و خديجة أستاذة الأدب الملتزمة ..الكل يتحرك ضمن إطار قصصي لا يعرف السكون .وبحوار راق يبهر القارئ ويشده.

إنه الصراع الاجتماعي و النفسي بين المال و الفكر,في قالب روائي شيق وممتع,تدور أحداثه في عاصمة الغرب الجزائري وهران التي قال عنها الكاتب في الفصل الثاني من الرواية “تعانق البحر في رومانسية منقطعة النظير ..دائما متبّرجة كالعروس ليلة زفافها,لكن مهرها الغالي يجعلها سهلة ممتنعة. الكل يريدها و لايصلها أحد.. من يقترب من نورها يخترق ..”.

وفي الختام لقد سعدت بقراءة الرواية قبل أن ترى النور ، وناقشت الأستاذ في بعض فصولها ، ولم أبخل عليه بما اعتقدت أنه صواب من وجهة نظري ، ولكنني أصّرح للأمانة العلمية بأن جلساتي معه رغم طولها لم أسمعه ولو مرة استعمل غير العربية الفصحى لغة وهذه الخاصية مفقودة كثيرا لدى معظم الكتاب,فمحادثاتهم تختلف عن كتاباتهم,وكأنهم لا يتكلمون العربية إلا إذا أعّدوا لها العّدة خلافا للأستاذ الذي أبهرتني محادثاته الفصيحة العفوية.

 

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram