ما قل ودل

تاريخنا بين الانبهار والاحتقار -ج2-

شارك المقال

الأستاذ محمد الشارف

عودة إلى ما انتهينا عليه في الجزء الأول من المقال و الذي آثرنا في نهايته لسرد أمثلة للإجابة على تساؤلات الإبن حول أحداث التاريخ التي يجب أن نكتبها بخيرها وشرها,باعتبارها قد وقعت و لا ينبغي كتمانها أو تزويرها و هو ما يعتبر جرما في حق الجميع.

فالمثال الأول يتعلق بمعاوية بن أبي سفيان فإذا أردت أن تعرف شخصيته من خلال كتب الطوائف المتناحرة فسوف يدور فكرك 1000دروة ولا يستقر.
فبعضهم يقول إنه من كتبة الوحي,وهو من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم,وهو خال المؤمنين لأن أخته أم حبيبة زوجة رسول الله (وهذا كله حق) لا نجادل فيه.

والبعض الآخر يقول إنه من الطلقاء الذين أسلموا يوم فتح مكة سنة 8 هجرية,وحارب علي بن أبي طالب وهو خير منه,وأبوه كان عدوا للإسلام وقاومه دون هوادة (وهذا حق أيضا) فأين الحقيقة ؟.

فهل تصدق هذه الروايات أم تلك ؟وهل تلغي عقلك وتعيش مقّلدا دون حجة أو برهان ؟أم تحلل وتناقش وتقرأ هذه الروايات كلها مستخدما نعمة العقل والمنطق باحثا عن الحلقة المفقودة وسط هذه الروايات المتضاربة.

أعتقد بأنك لا تحبذ التقليد دون حجة ولذا سأواصل الحديث معك لكي نصل معا إلى موطن الداء وحل لغز التناقض .

إن معاوية صحابي لا جدال في ذلك وإنجازاته التاريخية لن يستطيع أي شخص أن يطمسها,ولكنه في نفس الوقت هو الذي قام بتحويل الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم,وسن بدعة توريث الحكم التي ليست من صميم الفكر الحضاري للإسلام.

وإن تجاوز هذه المعادلة أو محاولة نفيها شبيه بمحاولة إنكار ضوء الشمس في رابعة النهار,وذكرنا لهذه الحقائق هو محاولة لفت انتباه إخواننا إلى الحقيقة التالية.

إن ذكر خطإ وقع فيه أي صحابي لا يعني الحط من قيمته ومكانته,فالصحابة هم الرعيل النموذجي الذي لا يضاهيه أي جيل آخر من الأجيال المتعاقبة ،ولكن هذا لا يدفعنا لتقديسهم أومحاولة إثبات العصمة لهم.

والمعروف تاريخيا أن الولاءات الحزبية سببا من أسباب الكذب والوضع سواء وضع الروايات التاريخية أو وضع الأحاديث النبوية,والذي يتجرأ على الكذب على رسول الله يكون أكثر جرأة في الكذب على الناس.

فالأمويون كان لهم شعراء وعلماء ومؤرخون يدورون في فلكهم ويكيلون لهم المدح والثناء ويلصقون كل المثالب والعيوب بخصومهم من الطوائف الأخرى ،وتذكر لنا كتب الأدب والتاريخ بأن الأخطل شاعر البلاط الأموي هجا الأنصار رغم حب الرسول لهم فقال(واللؤم تحت عمائم الأنصار).

ونفس الكلام يقال عن شعراء الهاشميين والزبيريين والعباسين كالكميت بن زيدي الأسدي وغيره.

والغريب أن كلام هذه الفئات المتناحرة قد تراكم عبر العصور وأصبح الكثير من الناس يظن أنه من العقائد الإسلامية,والحقيقة أن كل ذلك فكر بشري واجتهاد قابل للخطأ والصواب,وليس نصوصا منّزلة منّزهة عن النقد,فكثير من نظريات علم الكلام والمساجلات السياسية هي تفلسف وفذلكات لفظية بعيدة عن جوهر الإسلام وفطرته الصافية التي أقّرتها نصوص الكتاب والسنة.

إنتهى
رابط الجزء الأول

تاريخنا بين الانبهار والاحتقار

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram