خلال هذا الجزء سوف نتطرق للأجواء التي كانت سائدة قبل احتلال فلسطين,فأمّا ألمانيا فقد سعت فيها الفئات الدينية والاستعمارية لفصل فلسطين عن الدولة العثمانية، بعد الاضطرابات التي شهدتها فلسطين في السنوات الأخيرة من الحكم المصري، عندما قدّم ملك بروسيا ويلهلم الثالث Wilhelm III عام 1840م مبادرة للدول الأوروبية الأخرى للموافقة على وضع فلسطين تحت الحماية البروسية.
ولكنها فشلت في ذلك بسبب رفض المستشار النمساوي مترنيخ Metternich لهذه المبادرة. فلجأت بروسيا إلى فتح أول قنصلية لها في القدس عام 1842م، ومنحت الحماية لكل من طلبها من اليهود، وخاصة من كانت إقامتهم غير شرعية.
كما قام الضابط البروسي، هلموت فون مولتكة Helmuth Von Moltka بنشر سلسلة من المقالات عام 1841م باللغة الألمانية Germaney and Palestine تحت عنوان “ألمانيا وفلسطين” دعا فيها إلى إنشاء “مملكة القدس”، وطالب بتشجيع الاستيطان في هذه المملكة الجديدة، من أجل تحويلها إلى مركز متقدّم للحضارة الأوروبية في مواجهة المسلمين المتعصبين.
وقد تبنّى بسمارك فكرة الاستيطان اليهودي في فلسطين والمناطق المحاذية لخطّ سكة الحديد بغداد- برلين للحفاظ على المصالح الألمانية مقتنعاً بأنّ اليهود سيحمون هذه المصالح. أمّا قيصر ألمانيا ويلهلم الثاني Wilhelm فقد أدرك بأنّ ألمانيا ستفيد كثيراً إذا ما تبنّت المشروع الصهيوني وعملت على تحقيقه.
وقد لعبت أمريكا أيضاً دوراً هاماً في تشجيع الاستيطان الصهيوني في فلسطين. ومن أشهر الصهيونيين الأمريكيين وليام بلاكستونWilliam Blackstone (1841- 1935م) الذي عمل لمصلحة اليهود قبل ظهور الحركة الصهيونية وقد كان لأفكار بلاكستون وأتباعه من الكنيسة البروتستانتية الدور الكبير في تشكيل الحركة الصهيونية في أمريكا.
و قد عملت جماعة بلاكستون جاهدة من أجل تشجيع وتنشيط استيطان اليهود في فلسطين. كما كان للكتاب الذي أصدره بلاكستون عام 1878م بعنوان “عيسى قادم” أثر كبير في كثير من القضايا والكتاب ورجال البرلمان ورجال الدين الأمريكيين، حتى أنه حينما قدّم بلاكستون اقتراحاً للرئيس بنيامين هاريسون Benyamen Haryeson في 5 مارس 1891م يدعو فيه إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، سارع العديد من كبار الشخصيات الأمريكية للتوقيع عليه، ومنهم القاضي لمفيل Lamfiel، ورئيس مجلس النواب فولير Foleir وجون روكفيلر John Rokfelr ووليام روكفلر William Rokfelr من كبار الشخصيات الأمريكية.
وقد رافق هذا الإطار العام للأفكار والمشاريع الاستيطانية لفلسطين التي طرحتها وتبنتها الدول الاستعمارية الغربية، نشاط عدد من المفكرين اليهود كالحاخام يهودا القعلي Yehuda Alkalai (1798- 1878م)، والحاخام تسفي كاليشر Tzvi Kalischer (1795- 1874م)، والحاخام صموئيل موهيليفرSamuel Mohilever (1824- 1898م)، وقد أدّى هذا النشاط بدوره إلى تبلور عدد من الجمعيات اليهودية الناشطة والداعية إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.