ما قل ودل

تمثال الأمير عبدالقادر وأسْرار جبَل وهران

شارك المقال

تواردت عليّ الخواطر وأنا بين قراءة نصّ “خَلع النّعلين واقتِباس النّور من موضِع القَدمين” لأبي القاسم بن قسيّ الأندلسي وهو نصّ مسبوك في كلّ جملة أسرار وكنوزٌ وقد نَهل منه الأكبري الحاتمي، وسماع خبر أعلنه والي ولاية وهران وهو مشروع رئيس الجمهورية السّيد عبد المجيد تبون في وضع تمثال للأمير عبدالقادر الجزائري الذي اقتبس النّور والحكمة من القادرية والحاتمية فوق “جبل المايدة، سيدي هيدور، مرجاجو” بمواصفات تقنيّة يفوق علواً تمثال دي جانيرو الأعلى عالمياً بأمتار.

و بين النصّ لابن قسّي والخبر تزاحمت عندي المعاني وامتزج السّرور بالقنوط، بلغة القوم البسط والقبض، تملكتني السّعادة وقلت: الأمير عبدالقادر الشّامخ تعود إليه وهران والجزائر في كلّ حين وفي كلّ الأزمان رغم سَريان الخيانة من بني جلدته حياً وميّتاً.

فلا ننتظر تمثال بن جامان ستورا للأمير في فرنسا وكان القصد اختزاله في مرحلة من حياته وفي مواقف مجزّأة ومؤولَة والقصد أنّه كان من أصدقاء فرنسا، وضع تمثال الأمير هي ظاهر لبواطن الخلود، خلود المقاومين والشّهداء، خلود لمعاني التّعايش والسلم والمحبة.

كانت المعاني تتنزّل عَليّ والوالي يشرح ما ظهر منه شكلاً ولا نعرف التّصميم تفصيلاً، إلا قضيّة الليزر التي تشير إلى الكعبة وهي إشارة نورانية لتمسكنا بالإسلام وبالقِبلة التي ارتضاها لنا الله مهما كانت الظّلوم والاستعمار والفِتن.

الإشارة إلى الكعبة المشرّفة التي كانت الشّكل الهندسي لعاصمته المتنقّلة (الزّمالة) وكان بها (مكة المكرمة) شيخه الذي ربّاه ورقّاه (التّربية والترقية)، مكّة التي بدأ فيها كتابه التّأملي “المواقف” وأنهاه في دمشق مثل مسار شيخه البرزخي محي الدين بن عربي حين فتح الله عليه إلهاماً فشرع في كتابة “فتوحاته المكية”.

فتحٌ على فتح، وبالفتح يكون الفتحَ وندعو أن يكون التّمثال في وهران فتحاً، كانت وهران مكان إقامة جبرية للأمير ووالده ومُنع من الحجّ في أواخر العهد العثماني، وكانت بها مدرسته العلمية التي قرأ فيها المنطق والفلسفة على شيخه المعدوم بن طاهر القاضي الرزيوي (البطيوي)، ووهران التي برز في ساحتها بطلاً في “معركة خنق النطاح” فكان الأمير المختار.

وهران غصّة الأمير والجيش المحمدي لأن احتلالها من طرف الفرنسيين كان شوكة وحصناً منيعاً للعدو المحتلّ، وجبلها الذي سيبنى فوقه “التّمثال” حين لم يستطع احتلاله واحتلال مدينته مولاي إسماعيل العلوي قال: “أفعى تحت حجَر تَضرّ ولا تُضرّ”.

جبل عبث به الإسبان بتحصينات عسكرية ولكن بركة عبدالقادر الجيلالي الذي بَنى له مريدو بومدين الغوث مقاماً للذّكرى استمرّ إلى اليوم مكانه بعدما هُدّمت قبته القديمة في الثمانينات (في إطار محاربة الآفات الاجتماعية من والي يساري كان محدود النظر والتفكير).

إنها القادرية الطّريقة التي أحياها جدّ الأمير الشيخ مصطفى بن قادة بلمختار، وهي الطّريقة التي رضعها صغيراً وأصبغه شيوخ آخرون بالأسرار فكان الأمير أكثر من مريد في طريقة يتعصّب لها، إنّ الطّرق كلها بالنسبة له تنهل من مشرب واحد (والمورد العذب كثير الزّحام).

وكان يستعمل لفظ “طريقة القوم” دون تخصيص أو حصْر، جبلٌ هَزم الإسبان بجيش متطوّع من المدارس القرآنية وكان فتحهم وطنية وجهاداً وعلماً وذكراً، ومازالت مغاراته تقاد فيها الشّموع دون إدراك لرمزيات مفصولة عن واقعهم اليوم (إنها خلوات للعبادة وتجمع لطلبة فتح الوهران وتحريرها).

وقد أحسن من بنى مسجداً هناك لذكرى هؤلاء الطّلبة (حفظة القرآن)، وكنت ممن أبرزوا الفكرة ومن الخيرين من جسّدها، جبل كان مشهداً لهزيمة آخر خلفاء المرابطين في حكاية طريفة اختلطت فيها الحقيقة بالخيال، سَقط من هناك على جرف من فوق حصانه وكان المكان يسمّى “صُلب الكلب” فاستبدل ب “صُلب الفتح” تيمنًا.

وكان الجزائريون حينها في بجاية وبعض مناحيه يدعون على هذه الدولة المرابطية لأنها أحرقت كتاب الإمام الغزالي “الإحياء” وسجنت شيوخ التصوف، تلك أمّة قد خلت، ولكن نحن نتنزّل المعاني لهذا الجبل الوهراني.

شموخ جبل وهران، فيها الرّمزيات التّاريخية، مُستعمِر غاصِب يبني الحصون والكنائس للهيمنة وفقهاء وصلحاء يتخذون منه خلوات للعبادة والتفكر ورباطات من أجل الدفاع عن الأرض وبيضة الإسلام، فلو أنّ المصممين يتخلّون عن الرؤية التقليدية في بناء التّماثيل والنُّصب؟، فلو أضفنا للحِصان والسّيف المعاني الرّوحية والتاريخية والوطنية لكان أكثر تعبيراً وجلباً للسّياحة ويكون لوحة فنية وشعراً وألواناً نقرأ فيها نصوصاً أكثر من العبارة.

فللأسف تعلّمنا من الفرنسيين صُنع تماثيل جنرالاتهم وضباطهم سفّاكي الدماء ولم نبدع فيها، وهنا أتذكر تخليد ضحايا قتلى 11 سبتمبر بالولايات المتحدة الأمريكية فقد كتبوا أسماءهم فوق الماء ينساب شلالاً رحمة على أرواحهم ودشّنوا متحفاً فيه معاني تاريخ أمريكا.

الأمير عبدالقادر سيقف شامخاً فوق جبل مرجاجو بوهران ولكن يطلّ على جبال الجزائر الشامخات كلّها، يُعطي ظهره لمرفأ الغزوات حيث خَدع الفرنسيون السلام والعهد وسِيق بأهله وأتباعه إلى سجن لامبواز، يولّي ظهره لمراحل التّبعية الجزائرية لفرنسا واستقلال قراراها.

يقف هناك التّمثال محاوراً أرواح الشهداء في حياة فيها معاني الخلود الأخروي عند الله، وفي برزخية دائمة مع شيخه الجيلاني وبومدين الغوث والهواري وسيدي الغريب ودادا أيوب، يقف التّمثال ليقول للمتوسط ولسكانه نحن أهل سلام وأندلسنا كان للسّلام والعلم، وكنا رسالة علم ومحبة للبشرية.

شكرا للسّيد الرئيس ولوالي وهران ولكلّ المخلصين الصالحين في هذا البلد من أجل أن تكون وهران رمزاً للقرآن الكريم و الوطنية وعلى أهلها أن يكون لهم شموخ جَبلهم الأبيّ فسيحرصهم الأمير عبدالقادر.

ومارية العذراء التي حاولت أن تحمي وهران من الكوليرا حين نصبوا تمثالها فوق كنيسة جميلة معمارياً لم تحمهم من التعذيب والتقتيل والتشريد زمن الاستعمار، ولكنها شاهدة على تسامح شعب لم ينتقم من الآثار والبنايات، وما أجمل أن يكون الجبل رمزاً للجهاد والمجاهدة والمشاهدة والسلام والمحبّة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram