ما قل ودل

الأمير عبد القادر رحمه الله بين المثال والتمثال…بعد لافيجري حان دور سانتا كروز..!

شارك المقال

الأستاذ الدكتور عطاء الله احمد فشار -أستاذ فلسفة القانون والتاريخ جامعة الجلفة-

منذ عقود كانت هناك محاولات بجهل أو بتدبير لطمس المواقع الإسلامية التي ترمز إلى الهوية الوطنية والتاريخ المشرف لحاضرة وهران ونسينا أن وهران كانت واحدة من أهم ثغورنا وقاومت لمدة قاربت ثلاث قرون الإسبان وأعطت ظهرها لٱخر سلطان الموحدين وعلينا أيضا أن نتذكر أن فرنسا الاستعمارية المخادعة نقضت عهدها مع الأمير عبد القادر وحنثت الدولة الفرنسية بالهدنة التي وقعها الجنرال لاموريسيير والأمير عبد القادر.

واختطفت القارب الذي كان من المفترض أن ينقله إلى فلسطين، بموجب هذه الهدنة، وأخذته رهينة مع أسرته وحاشيته. ففي 23 ديسمبر 1847 في تلك الليلة الباردة المثلجة المصحوبة بالخيبة والبرد والشتاءات القاسية وأفق السفر إلى عكة، الإسكندرية، القدس، دمشق، قبل أن يكتشف الخديعة التي قادته إلى تولون في 10 جانفي 1848 و يسجن في لامالغ ، ومنها إلى پو Pau ثم قضاء بقية الحجز والحرمان من الحرية في قصر (حبس) أمبواز Chateau d’Amboise، لمدة خمس سنوات 1848-1852.

وتأتي فرنسا الغازية وبعد عقود ومن خلال مؤرخها بنجامين ستورا اقترح سنة 2021 نصب تمثال للأمير عبد القادر بفرنسا وكأن فرنسا تعيد إنتاج جريمة الاختطاف نفسها، ولكن هذه المرة من خلال استهداف هالة الأمير ومكانته”.

فقد ورد في تقرير المؤرخ الفرنسي بنجامين ستوار، اقتراح صنع تمثال للأمير عبد القادر في أمبواز (إندري-إي-لوار)، حيث عاش في المنفى بين عامي 1848 و1852، بمناسبة الذكرى الستين لاستقلال الجزائر في عام 2022″.

و قدكان المؤرخ الفرنسي “بينجامين ستورا”، قد قدّم في 20 جانفي 2021، تقريرا لرئيس بلاده إيمانويل ماكرون بشأن حقبة الإستعمار الفرنسي بالجزائر، أوصى فيه بتشييد تمثال للأمير عبد القادر بفرنسا، مقابل تشييد نصب يمثل الحركى والأقدام السوداء في الجزائر.

والأمير بطبيعة الحال ليس تراثا لا وريث لفرنسا. إنه أمير لبلدنا ولشعبنا ولكل الشعوب التي قاومت المشاريع الاستعمارية. واليوم تقرر الدولة وضع تمثال للأمير عبدالقادر الجزائري الذي اقتبس النّور والحكمة من القادرية والحاتمية فوق “جبل المايدة، سيدي هيدور، مرجاو” بمواصفات تقنيّة كبيرة جدا.

فكأن اليوم الأمير عبدالقادر رحمه الله الشّامخ تعود إليه وهران والجزائر في كلّ حين وفي كلّ الأزمان ، فلا ننتظر تمثال بن جامين ستورا للأمير في فرنسا وكأن القصد هو اختزال الأمير في مرحلة من حياته وفي مواقف مجزّأة ومؤولَة والقصد أنّه كان من أصدقاء فرنسا،؟!وفق وجهة نظر بعض مؤرخي فرنسا.!!.

و يأتي الأمير عبد القادر ليرتفع بشموخ عالي وفي رمزية قوية من حيث الإشارات والتجسيد ليرتفع عاليا بلواء خلفيتنا الحضارية الإسلامية في المقدمة وخلفه تمثال “القديسة” وكنيسة “نوتردام” اللذان يعلوان جبل مرجاجو،كرمز للتسامح والإنسانية التي تمثلها الأمير طوال حياته وفي إشارة أننا نحن أهل الإسلام والجزائر وفي المقدمة وأننا أولى بوهران والجزائر كلها وأننا متسامحون ما قبلتم جوارنا في هدوء وسلام ويرتفع عاليا في إحدى جبال الجزائر الشامخة.

ويتداول الوهرانيون الكثير من المرويات والأساطير وحكايات غريبة عن جبل مرجاجو أو الهيدور,فهو مشحون بكل ما تكتنزه المدينة من هويات متداخلة وثقافات منصهرة، إلى جانب مدّه الروحي المرتبط بكاتدرائية سانتا كروز الشهيرة ومقام سيدي عبد القادر الجيلاني.

وهنا نتساءل عن علاقة مغارة الهيدور المجاورة للجبل مع مخطوط عثر عليه في تلمسان، أي على بعد أكثر من 170 كيلومترًا، خلال حملة عسكرية للجنرال ليوتي في منطقة بني سنوس في تلمسان – 700 كيلومتر غربي الجزائر العاصمة – عثر جندي على صندوق خشبي صغير مزين بالزخارف بين أنقاض كوخ متداع، فتحه بصعوبة معتقدًا أن بداخله كنزًا، لكنه وجد أوراقًا بالية مكتوبة باللغة العربية بينها: وثائق قضائية لا قيمة لها، ومخطوط لقصة أدبية مبتورة.

وصلت الوثيقة الثمينة إلى يد هنري دوساروتون، وهو موظف إداري فرنسي أقام في البلاد منذ عام 1865، اهتم بالكتابة عن الحياة الاجتماعية والثقافية للجزائريين، وأصدر كتابًا بعنوان “المسألة الجزائرية” عام 1891. قرر ترجمة المخطوط إلى اللغة الفرنسية بينما تكفل جورج سكوت بتصميم الرسومات، ليصدر العمل الأدبي في عام 1910 بعنوان: “حكاية جني الهيدور أو عفريت الهيدور”، مكوّنًا من 32 صفحة فقط.

أعيد طبعه عدة مرات في فرنسا، كما تُرجم إلى اللغة الإنكليزية، بينما هو شبه مفقود في المكتبات الجزائرية. ولا ننسى أن وَهْرَان، ومدينة المرسى الكبير المحاذية لها،كانت واحدة من الثغور التي وقعت بيد الإسبان، وآخر ثغر كَسر المقاومون قيود الاحتلال عنه في الجزائر، بعد احتلالٍ طويل ناهز ثلاثة قرون، على رأسهم مجموعة من طلبة المدارس القرآنية عُرفوا بـ”جيش الطلبة”.

فوهران كسرت القيد ولا تنحني وانعتقت من ربقة الإسبان بفضل أبنائها وكذا فعلت مع فرنسا وقبلها مع سلطان المغرب الذي حاول الاستيلاء عليها.

وكما يقول الأستاذ بومدين بوزيد “فالأمير عبدالقادر سيقف شامخاً فوق جبل مرجاجو بوهران ولكن يطلّ على جبال الجزائر الشامخات كلّها، يُعطي ظهره لمرفأ الغزوات حيث خَدع الفرنسيون السلام والعهد وسِيق بأهله وأتباعه إلى سجن لامبواز، يولّي ظهره لمراحل التّبعية الجزائرية لفرنسا واستقلال قراراها، ، ويقف التّمثال ليقول للمتوسط ولسكانه نحن أهل سلام وأندلسنا كان للسّلام والعلم، وكنا رسالة علم ومحبة للبشرية أن تكون وهران رمزاً للقرآن الكريم والوطنية وعلى أهلها أن يكون لهم شموخ جَبلهم الأبيّ فسيحرسهم الأمير عبدالقادر….”.حراسة تمثل القيم طبعا والسير على النهج .

التمثال كما ذكرت سيبنى فوق قمة جبل “مرجاجو” وهو أعلى جبل بوهران وقدّ شيدت فيه عدة معالم تاريخية، منها قلعة سانتا كروز الإسبانية (1577-1604)، وبقربها كنيسة سانتا كروز (1850) ويعلوها تمثال كبير للسيدّة مريم العذراء والتمثال سيرتكز على خمس دعائم تدل على أركان الإسلام الخمسة، وسيف الأمير سيكون مزوداً بأشعة ليزر تشير إلى اتجاه قبلة الصلاة.

كما سيشمل المشروع إقامة متحف خاص للأمير عبد القادر يروي قصة حياته ونضاله منذ ميلاده في قرية القيطنة عام 1808 حتى وفاته في دمشق عام 1883. هذا العمل أو التمثال ورغم أن فكرة بناء التماثيل هي فكرة غربية وانتشرت في زمن ما في أوروبا وخاصة في فرنسا لتمجيد شخصياتهم ولا أظن اليوم تخلو دولة عربية من هاته التماثيل.

هذا الأمر ٱثار نقاشا حادا وكبيرا من جوانب دينية وجوانب اقتصادية نظرا لتكلفة التمثال المصّرح بها والتي تفوق 120مليار سنتيم وهنا وجب التنبيه إلى أن العبرة بالمضامين وليست بالتماثيل والأمير نحن بحاجة إلى تمثل قيمه الكثيرة الدينية والإنسانية والأدبية وأخلاق الفرسان في حياتنا كأفراد وشعوب ودول.

ولعل الهدف والمعني كما شرحت مقصد نبيل وطيب من هذا العمل ويهدف إلى استرجاع المكانة والرمزية وأحياء ما ضيعنا في سنين عجاف مضت ولكننا بحاجة شعبا ودولة ونحن في عصر الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتسارعة إلى إيضاح المعاني وتفسير المقاصد وتبرير صرف الأموال خاصة في أوساط الشباب.

وهنا نحتاج إلى من يعي السياقات التاريخية والصراعات الخفية والمعلنة وقد كنا نحن جميعا ثرنا عندما زار مسؤول فرنسي مقر “ديسكو مغرب” في وهران وكنيسة سانتا كروز ولمنا الدولة والمسؤولين ربما على هكذا تصرف,أعتقد أننا نتفق في كثير من الأبعاد قد نختلف في الفروع وفي التفاصيل وفي التفاصيل يدخل الشيطان وما أكثر شياطين الإنس قبل الجّن التي تتغّنى بالحفاظ على مال الدولة أو على الغيرة على الحرمات.

ولكن المقاصد قد يتلّبسها الشيطان فتنتج لنا فكرا غير متسامح ونحن هنا بحاجة إلى ضرورة حوار الدين والفن وتحريك النقاش الهادئ حول الأولويات والٱليات,ولنتذكر أن فرنسا مهّدت لغزونا بما عرف بالفن الاستشراقي فغزت لوحات تشكيلية ومجسمات أوروبا تبشر باكتشاف جنة في الأرض اسمها الحزائر.

والله من وراء القصد ولست مفتيا ولا خازن أموال فإنما عبّرت عن رأيي وحاولت تبيان معاني الأشياء.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram