بقلم الأستاذ سي الناصر عبد الحميد
على الرغم من غرابة العنوان بالمقارنة بتفاصيل الفيلم، إلا أن المخرج لم يخف نقده اللاذع للرأسمالية المتوحشة و ميوله للاشتراكية أو بالأحرى تأييده لتدخل الدولة في شؤون الاقتصاد خاصة و نظرته المسيحية للمستقبل.
فقد عرض الفيلم التحولات في المجتمع الأمريكي بعيد أزمة 1929 الاقتصادية، من خلال عائلة تمتهن الفلاحة، تعرضت أرضها للاغتصاب من قبل النظام الرأسمالي، لتجد نفسها مضطرة إلى الهجرة نحو كليفورنيا باحثة عن فرص عمل على أمل أن تمكنها من البقاء بعد هذا الجور الذي وقعت فيه.
و هنا يبدأ المخرج في تتبع خطوات عيوب و غطرسة النظام الرأسمالي من جهة و شرح التحول الذي أصاب الأسرة و الفرد من جراء ذلك من جهة أخرى، حين يقر المخرج أن أول هذا التحول بدأ على مستوى علاقة الفرد بعالمه الروحي.
حيث صور لنا في بداية الفيلم اعتراف رجل الدين كازيي على أنه لم يعد رجل دين و أن إيمانه لم صبح إلا ذكريات قد يرويها إلى من يعرف من أصدقائه يوم ما، في إشارة من المخرج عن بداية مرحلة تحكم المادية الرأسمالية في المجتمع الأمريكي، و أنها أصبحت ديانته الوحيدة.
و أن قيم الروح لم تعد لها المبررات التي كانت تحكم الواقع الاجتماعي الأمريكي في المرحلة التي كانت خدمة الأرض تجمع العائلة الأمريكية، فقد تكّسرت هذه المبّررات على واقع فكرة الربح التي جاءت بها الرأسمالية الصناعية بالخصوص.
هذه الروح التي جسّدتها أيضا، صورة العائلة في دعائها عند كل طاولة الغذاء و التي دفعت برجل الدين السابق أن يثور ضد هذا الوضع الجديد لتكون حياته ثمن تلك الثورة التي أراد بها أن يعّبر عن رفضه للواقع الجديد و أن يتمرد على سلطة الرأسمال الجشعة التي تستغل عوز الفقراء لبناء الثروة.
فرغم اعتزال هذا الأخير عالم الكنيسة و الدين إلا أن الروح التي شكلتها أعوام التدين في داخله تدفعه إلى رفض الواقع الرأسمالي الجديد من جهة و إعادة اكتشافه -أي الدين- على ضوء تجربته الجديدة من جهة أخرى، فقد صّرح لصديقة تومي أن على رجل الدين أن يعرف كثيرا قبل أن يكون رجل دين.
و كأن المخرج جون فورد أو صاحب القصة جون ستنبرغ أرادا أن يشيرا إلى أن الثورة دائما تأتي من عالم الروح لأنها و بحكم طبيعتها، ترفض القيد و التسلط، و قد ظهرت هذه الفكر في كثير من مشاهد الفيلم و لعل أبرزها لحظة دفن الجد عند طلب تومي منه الدعاء له بحكم مهنته السابقة، فرد عليه قائلا أن الأحياء أولى بالدعاء من الأموات لأنهم لا يعرفون أين يتجهون، في دعوى واضحة إلى الثورة ضد الوضع الجديد.
مع فقدان رجل الدين كازيي روحانيته فقد المجتمع تضامنه، فقد أصبح البعض و من أجل بعض الدولارات لا يتوانى في الحرص على تطبيق أوامر صاحب العمل حتى و إن كانت تتنافى و طبيعة أخلاقه، فقد برر الوضع الجديد لهؤلاء هذه التصرفات.
فعالم الأخلاق لم يعد له وجود بل أصبح اكتساب القوت اليومي، الذي يسيطر عليه الرأسمالي، هو الشريعة الوحيدة للفرد الأمريكي، فمشهد تحطيم بيت المزارع من قبل إبن البلد بواسطة جراره العملاق، توحي للمشاهد بهذه الفكرة التي نذكر، بل تفسر رؤية المخرج و موقفه من فقدان المجتمع الأمريكي لأخلاق تحت سطوة رغبات الرأسمالي التي اجتاحت المجتمع كما تجتاح آلاته بيوت و حقول أصحاب الأرض الفعليين.
من هنا انعكست هذه القيم الجديدة على الأسرة بالخصوص، فبالرغم من أن الفيلم لم يتعرض بشكل مباشر لخطر التفكك الأسري، و هذا رجع، حسبما نعتقد، إلى أن الأسرة الأمريكية في الفترة التي أنجز فيها لم تكن قد تأثرت كثيرا بعد بالقيم الجديدة.
إلا إذا استثنينا مشهد هروب زوج “روز” تحت ضغط البطالة و تركها حامل في شهرها الخامس، إلا أنه و على مستوى الخطاب -الحوار- لم يغفل المخرج إلى الإشارة و بشكل قوي إلى هذا الهاجس.
فقد صاحب هذا الأخير مراحل الفلم كلها، من خلال مخاوف الأم التي ما فتأت تشكو لتومي عن قلقها من فقدان معنى الإحساس بدفء العائلة و أن هذه الأخيرة بدأت تظهر عليها بوادر التفكك في الوقت الذي أضحى مستقبلها غامض، بعدما كانت في الفترة السابقة تزهو بنعمة التماسك و الوحدة متوارثة إياها جيلا بعد جيل.
هذا الهاجس يطرحه المخرج كنتيجة منطقية لسيطرت صاحب العمل على الحياة الاقتصادية، فقد تقلصت فرص العمل، مما نجم عنه قلة الدخل من جهة و ظهور، من جهة أخرى، طبائع و سلوك استهلاكية جديدة لم يكن قد تعود عليها الفرد الأمريكي.
لتفقد الأسرة بعد ذلك وظيفتها الاجتماعية لصالح النزعة الفردية، ليعاد بذلك تشكل المجتمع وفق هذه النزعة الجديدة، لتظهر صورة أخرى للحياة الاجتماعية يكون فيها عامل الوحدة و التماسك الحلقة المفقودة في سلسلة الترابط الاجتماعي و تصبح العائلة غير العائلة كما أشارت الأم في حوارها مع تومي لحظة إصابته من قبل شرطة رجل المزرعة.
يواصل المخرج فضح الرأسمالية في مشاهد كثير من الفلم، فقد عمد على تصوير مشاهد الغبن و التعاسة من خلال مسيرة العائلة من أرض فقدتها إلى أرض الميعاد كليفورنيا، أرض العسل و الحليب- كما وصفها أحد أبناء العائلة- و من خلال أيضا، جميع المحطات التي صادفتها أثناء رحلتها.
لتكتشف العائلة أن أرض الميعاد ليست كذلك و أن معاناة الناس هي الصورة الوحيدة التي تملأ المشهد “الكاليفورني” و أن صاحب البذلة و “السيقار” ليس إلا إنسان جشع لا يهمه إلا الربح بأقل التكاليف، و أن فرص العمل ليست إلا الوسيلة الوحيدة لابتزاز الناس من أجل العمل بأقل كلفة ممكنة,و أنهم ليسوا في نظر صاحب العمل سوى وسيلة عمل كباقي الوسائل و الآلات التي يستعملها لتحقيق أكبر ربح ممكن و أن الإنسان كإنسان لم يعد له قيمة في ذهن من يمتلك المزارع و الحقول.
هذه الصورة عن الرأسمالي، يوضحها المخرج في مشاهد تصويرية رائع تبدأ عند التقاء العائلة صدفة أحد أصاحب هذه المزارع ليقترح عليها هذا الأخير فرصة عمل، فيسعد الجميع بذلك، بل أن فرحتهم تزيد عندما يرو أنهم كانوا محظوظين جدا بهذه الواسطة التي ساقها إليهم القدر، وهم يشاهدوا الطوابير المتراصة على ضفاف الطريق و تدخل الشرطة عند كل محطة من محطات المزرعة مانعة الكثير من الناس من التقدم إلى مزرعة صاحب العمل.
لكن سرعان ما يكتشفوا أن هذه المزرعة التي أتوا للعمل بها ليست سوى سجن كبير يراد لهم فيها العمل بأبخس الأثمان و أن مراد صاحب العمل ليس سوى استغلال حاجتهم من أجل التوفير على نفسه مبالغ مالية كبيرة من خلال سلبهم حقوقهم المادية و استئجارهم بقيم مالية لا تتناسب و مردودهم اليومي، و أن المبلغ الذي وعدوا بتقاضيه ليس سوى فخ نسجه لهم صاحب العمل و أن أجرة لن تتعدى نصف المبلغ المتفق عليه.
هذه الحقيقة التي لم يستسغها تومي و هو يحاور رجل الدين السابق كازيي، نزلت عليه كصاعقة و هو يستمع إلى أحد الحراس و هو يزفها إلى أحد العمال الجدد.
هذا النقد اللاذع لرأسمالية لم يكن نقدا نابعا من نظرة و رؤية مستقلتين، بل إن نظرة المخرج للأشياء كانت مستندة إلى فكرة مسبقة تحددت معالمها في اقتراحه للبديل عن فكرة الرأسمالية، حتى و إن لم نستطع وصفه بالشيوعية، إلا أن فكرة الاشتراكية في بعدها الاقتصادي خاصة و دعوته لتدخل الدولة في شؤون المجتمع كانت ظاهرة في هذا البديل المقترح.
فابتداء من أول لقاء حصل بين العائلة و مدير المخيم، الرجل المتواضع الكيّس صاحب البذلة البيضاء و بدون سقارة طبعا، اتضح ميول المخرج، فقد صور لنا المخيم الذي تديره الحكومة كملجأ يتعاون و يتساوى فيه الجميع، قي إشارة إلى رغبته -أي المخرج- في وجود مجتمع على هذا الطراز ينعم فيه الجميع بالسعادة ويتعايش تحت ضله الكل.
لكن المخرج، و رغم ميوله لهذا النموذج، يشير إلى استحالة بقائه -النموذج- بين أحضان المجتمع الرأسمالي، فهذا الأخير لا يمكن أن يسمح بتواجد مثل هذا النموذج في عقر دار الرأسمالية، لهذا ستعمل الرأسمالية على إفشاله و عدم بقائه.
فبرغم تصوير المخرج للعصابة التي خططت لضرب استقرار المخيم بالفشل و عدم النجاح في مخططها إلا أنه أراد من خلال هذا المشهد التأكيد على استحالة التعايش بين نظامين متناقضين في الأساس النظام الرأسمالية و الاشتراكية، و أن فكرة التعايش بينهما في مكان واحد ضربا من الخيال، فالأرض الأمريكية لا تسمح إلا بوجود نظام و احد لا غير.
لينتهي جون فورد فيآخر الفيلم إلى أن الخلاص لن يأتي إلا بعودة المخلص، فصورة رجل الدين السابق كازيي في الحوار الذي دار بين الأم و تومي عند لحظة مغادرته المخيم خوفا من الشرطة من جهة و العبارات القوية التي تشكل منها هذا الحوار، لم يكونا إلا تعبير من المخرج عن نظرته.