ما قل ودل

الطباعة و علم الميكانيكا والمحركات صنعت الفارق…هكذا تقاطع فكر الأمير عبد القادر مع الياباني أوساهيرا

شارك المقال

بالرغم من أن الأمير عبد القادر غادر الحياة الفانية نحو الدار الباقية منذ 140 سنة تحديدا إلا أن ذكرى الرجل لا تزال باقية و لا تزال مضرب المثل للخصال العديدة التي تمّتع بها الأمير,خصوصا اتجاه الإنسانية و ما خلّفه من مآثر باتت تدّرس في كبرى الجامعات العالمية.

فبعيدا عن مآثره العسكرية التي كانت اللبنة الأولى لجيش التحرير ضد الفرنسيين,كان للأمير مآثر و مآخذ لما تركه أسلافه خصوصا فيما تعلق باقتصارهم على مجابهة العدو بالطرق الكلاسيكية على غرار البحرية الشراعية,التي أثبتت عدم نجاعتها في عدة معارك بحرية أخيرة للأسطول الجزائري,أين كانت النهاية في معركة “نافرين سنة 1827” حين تغلب الغرب بفضل استثماره في الثورة الصناعية.

و دونما شك فإن الأمير عبد القادر كان بوّده قبل محاربة العسكر الفرنسيس الذين كانوا متشبعين بمخرجات الثورة الصناعية,أن يتلقى أبناء شعبه تلك التكنولوجيا الحديثة لمجابهة الأعداء بمثل سلاحهم, فكما هو معلوم فإن جيش الأمير كان بادئ الأمر يعتمد على قدرات عموم الشعب من فلاحي و مزارعي مدينة معسكر و بعدها التحق الحرفيون و طلاب الزوايا من كل حدب و صوب.

يعني باختصار استطاع عبد القادر بن محي الدين أن يحّول في ظرف وجيز نخبة من أفراد الشعب البسيط إلى جيش نظامي جابه أعتى جنرالات فرنسا الذين كانوا يحسبون لجيش الأمير ألف حساب.

فمعلوم أن الأمير عبد القادر كان يميل لتعلم أفراد جيشه و عموم أبناء شعبه مخرجات الثورة الصناعية, التي استلهمت من علوم العرب المسلمين التي خلفوها في الأندلس على وجه التحديد و استطاعوا المرور من الجانب النظري نحو الجانب التطبيقي.

فكما نعلم أن عصر الأمير تقاطع مع عصر المحركات و الميكانيكا التي استعملت كلها في فائدة الجيوش و هو ما اعتبر نقطة فاصلة في تفوق الفرنسيين عسكريا,فالأمير عبد القادر تثبت إحدى الوقائع التاريخية التي أرّخ لها الجاسوس المندّس في صفوف جيشه “ليون روش” بأنه قال عندما استحوذت إحدى كتائب الأمير على آلة الطباعة قولته الشهيرة “بمثل هكذا اختراعات سبقنا الغرب”.

و كما نعلم بأن الكهل عبد القادر حينها كان منشغلا بالميدان العسكري و إعداد الخطط و كشف الخيانات, فلم يكن بوسعه إبتعاث الطلبة نحو الخارج للتحصيل العلمي و هو ما أحدث الفارق كما هو معلوم.

و يتقاطع مشوار الياباني “تاكيو أوساهيرا” مع نفس رؤى الأمير عبد القادر في مدى إعجاب الشخصين بتكنولوجيا الغرب,غير أن الرجل الياباني بلاده لم تكن في حرب حينها,حيث بهر “أوساهيرا” بعلم الميكانيكا و المحركات و علم بأن خلاص بلاده يكمن في نقل هذه التكنولوجيا التي رفضها البلاط الياباني بادئ الأمر باعتبارها من المحّرمات و هاتكة لعرض موروث بلاد “الساموراي”.

و تلّخص مسيرة “تاكيو أوساهيرا” أن ذات الشخص خرج من اليابان إلى ألمانيا في بعثة,ليدرس علم الميكانيكا والمحركات، وينال درجة الدكتوراه، وهو يريد أن ينقل لبلده من علوم ألمانيا، وأن ينهض بأمته، لكنه فُوجئ أن الغرب لا يدّرس الأجانب إلا نظريات على ورق.

و يقول “أوساهيرا” في إحدى مذكراته “ذهبت إلى ألمانيا فإذا بهم يدرسونني الكتب والنظريات، ولكني أريد أن أمتلك القدرة على تصنيع المحركات، وأن أعرف كيف أتعامل معها، فمكثت في حيرة أنظر إلى المحركات، وكأنني طفل أمام لعبة جميلة، ولكنها شديدة التعقيد، حتى سمعت عن معرض للمحركات الإيطالية، فأخذت كل ما أملكه من المال، وذهبت إلى ذلك المعرض، واشتريت محركاً مستعملاً، وذهبت به إلى بيتي، ثم شرعت في تفكيكه، وقلت إذا فككته قطعة قطعة، ثم استطعت إعادته,فإن ذلك يعني أني سوف أمتلك المعرفة اللازمة للتعامل مع هذه المحركات”.

مضيفا “وكنت أفتح المحركات وأفككها، ثم أرسم كل قطعة رسماً دقيقاً، وقد يستغرق ذلك مني يوماً كاملاً من أوله إلى آخره. كنت أتناول في اليوم وجبة واحدة، ولا أصيب من النوم إلا ما يمكنني من مواصلة العمل. استطعت تفكيك المحرك ثم أعدت تركيبه، فلما أعدته وبدأت تشغيله بنجاح، فرحت حتى كاد قلبي أن يقف من الفرح. بعدها أخبرت رئيس بعثتي بأني قد بدأت الطريق، فأعطاني محركاً عاطلاً فأصلحته بنجاح، وقال لي: (لا بد الآن أن تصنع لنا محركاً كاملاً من صنع يدك). بعد ذلك قال رئيس البعثة (عليك الآن أن تصنع القطع بنفسك، ثم تركبها محركاً)”.

و يضيف “أوساهيرا” “لكي أستطيع أن أفعل ذلك، التحقت بمصانع صهر الحديد، وصهر النحاس، والألمنيوم، وذلك بدلاً من أن أعد رسالة دكتوراه كما أراد مني أساتذتي الألمان.تحولت إلى عامل ألبس بدلة زرقاء، وأقف صاغراً إلى جانب عامل صهر المعادن الغربي. كنت أطيع أوامره وكأنه سيد عظيم، حتى كنت أخدمه وقت الأكل مع أنني من أسرة ساموراي، والأسرة السامورائية هي من أشرف وأعرق الأسر في اليابان. يخدمها الناس ولاتخدم الناس. ولكنني كنت أخدم اليابان. وفي سبيل اليابان يهون كل شيء”.

و عقب هاته التجربة الناجحة في نقل التكنولوجيا بسلاسة من الغرب نحو اليابان استطاع “أوساهيرا” أن يجعل من بلاده رائدة في مجال الصناعة و التصنيع,حتى باتت بعدها بلاده خطرا عسكريا داهما على الغرب نفسه و الذي كما نعلم كسر كبرياء اليابانيين بالأسلحة اللاإنسانية الممنوعة خلال تفجيره قنبلتي “هيروشيما” و “ناكاساكي”.

و في نهاية هذا المقال الذي ارتأيت أن أصبغه لون الخاطرة التاريخية العلمية,يجدر التنويه أن الأمير عبد القادر كان يهّم لتحديث جيشه لكن خيانة الداخل و الخارج و الصديق قبل العدو,حالت دون تمّكنه في النجاح في المهمة التي نجح من خلالها الياباني “تاكيو أوساهيرا”…و لا يزال للحديث بقية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram