نشر المركز الدولي لمحاربة الإرهاب الكائن مقره في مدينة لاهاي الهولندية,مؤخرا ورقة بحثية أنجزها “سامي ويكس” و هو أستاذ في علم الإجرام و العدالة الجنائية و “مايلي كرايزيس” الباحث في مخبر “الابتكار والبحث في مجال الاستقطاب والتطرف” -The Polarization and Extremism Research and Innovation Lab- التابع للجامعة الأمريكية,و يوضح البحث عبر الوثائق التي تم دراستها بطريقة تحليلية من قبل هذان الباحثان رغبة التنظيم الإرهابي “القاعدة” في توظيف الحراك لصالح مشواره التدميري منذ انطلاقه خلال شهر فبراير عام 2019.
حيث خّصص المركز المذكور مقالا مطّولا يحوي قرابة أكثر من ثلاثين ورقة بحثية,يظهر من خلالها كيفية تفكير القائمين على التنظيم الإرهابي “القاعدة” في خطف الحراك و توظيفه لصالحه,من أجل إعادة بعث مشاريعه الإجرامية في الجزائر و في عموم منطقة الشمال إفريقي.
و حملت هذه الورقة البحثية عنوان “استراتيجية القاعدة في الجزائر…محاولة استدراج الحراك لأجل تلميع السلفية الجهادية”. و يظهر هذا البحث الإستقصائي الذي اقترن بتحليل معّمق الإستراتيجية التي اتخذتها القاعدة لكسب غضب الحراكيين خلال المسيرات الشعبية من أجل ركوب الموجة و تحويل الحراك لفائدة التنظيم الإرهابي.
و ربط البحث المنشور رغبة تنظيم القاعدة في استدراج الحراك نحو مخططاته الظلامية و ذلك منذ انطلاقته خلال شهر فبراير 2019,حيث استند الباحثان خلال دراستهما بتشريح تحليلي لثمانية وثائق تم نشرها من قبل تنظيم القاعدة و فرعها “القاعدة في المغرب الإسلامي” على صفحاتهما في الشبكة العنكبوتية و بالأخص في منصتي “تيليغرام” و “روكيت”,و ذلك خلال الفترة الممتدة ما بين فبراير 2019 و جانفي 2021.
و أثبت تحليل تلك الوثائق الرغبة المتزايدة لتنظيم القاعدة لركوب موجة الحراك,أين كان لبعض المنشورات غرض تحريضي ك”الجزائر على مخارج النفق المظلم” و “المعركة لتحرير الجزائر مستمرة”.
و استخلص الباحثان “سامي ويكس” و “مايلي كرايزيس” من خلال دراستهما التحليلية المعّمقة,أن تنظيم القاعدة كان يستدرج الحراكيين في غفلة منهم بشعارات الغرض منها لفظ منظومة الحكم و الإتحاد و الإستمرارية في المقاومة,و ذلك من خلال توظيف عبارات عنف مستترة من أجل خلق الفوضى و الإفضاء إلى العنف.
و استندت القاعدة من خلال منشوراتها التحريضية أيضا إلى تبّني الخطاب المناهض للإستعمار في إشارة إلى ربط الدولة الجزائرية بالمستعمر السابق,كما ركّز الظلاميون على نشر البلبلة في صفوف الحراكيين من خلال الإدانة الواسعة للرشوة و الفساد كنوع من إشعال فتيل العنف ما بين فاعلي الحراك.
و من بين البيانات التحريضية التي تم دراستها عن كثب هي تلك الوثيقة التي تم إدراجها في ذات الصدد و التي جاءت بتوقيع زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي “أبو عبيدة يوسف العنابي”,الذي تحدث فيه حسب زعمه عن تبني الغرب مشروع يهدف إلى تهديم أسس الهوية الإسلامية من أجل القضاء على الأمة الجزائرية.
و الذي عندما فشلت فرنسا الإستعمارية في ذلك استنادا لنفس المصدر,تم تكليف أشخاص من الداخل لمواصلة المشروع,حيث اعتبرت القاعدة أن الهدف الرئيسي للحراك هو تطبيق الشريعة.
و لم تكتف القاعدة بزرع البلبلة في أوساط الحراكيين فحسب بل دعت المنتسبين لمؤسسة الجيش للثورة ضد مسؤوليهم,و طالبت بإعطاء الحراك الصبغة الإسلاماوية من خلال تبني ذات الفكر خلال المسيرات الشعبية.
و كان تنظيم القاعدة من خلال ذات التصرفات يأمل أن ينتهي الحراك على شاكلة كرة الثلج و أن يجتاح البلدان الشمال إفريقية على غرار المغرب,تونس و ليبيا و كذلك مصر.
و خلصت الدراسة البحثية أن آمال القاعدة تبّخرت نظرا لعلاقة الإحترام و التبجيل و ارتباط ما بين الشعب الجزائري بالجيش الشعبي الوطني باعتباره مؤسسة سيادية,و هذا رغم تقلص الثقة حينها مع الحكومة السابقة في تلك الحقبة.
و استخلص الباحثان “سامي ويكس” و “مايلي كرايزيس” أيضا أن اختلاف أطياف التوجهات السياسية لنشطاء الحراك حال دون تجسيد المخططات الظلامية لتنظيم القاعدة,الذي انهزم أمام رفض هؤلاء النشطاء تبني نظريات الثيوقراطية الإسلاماوية.