ستحتفل الجزائر ككل عام من الخامس جويلية بمرور 61 سنة على استقلالها بعد 132 عاما من الدمار و الإحتقار مارست من خلاله فرنسا أقسى تجربة استعمارية في أرجاء المعمورة,حتى باتت مثالا لأسوأ احتلال في الوقت الحديث لما آذت من خلاله أفراد الشعب المسالم بتطبيق أقسى أصناف الذّل و المهانة لعل أبرزها الفقر و التجهيل.
و رغم أن الجزائري يعي جيدا مقطع نشيده الوطني الذي يقول في إحدى أبياته بأنه مضى وقت العتاب و طوينا ذاك التاريخ كما يطوى الكتاب,لكن منطقنا كجزائريين يبقى دوما مع قلب الصفحة مع عدم تمزيقها فالتاريخ هو التاريخ و لو جاء من يدّعي إصلاحا من بعد تخريب.
فجميع العوائل الجزائرية لا تزال ذكرى سرد تاريخها الثوري تحمل في طيّاتها جراحا لم تندمل بعد,و هنا نقصد ملف المجاهدين المغيّبين قسرا من قبل قوات الإستعمار و بالتحديد كتائب مظليي “ماسو” و “بيجار” الإجرامية,خلال الثورة لتأتي بعدها سلسلة الإختفاءات القسرية في عهد منظمة الجيش السري “OAS” الإجرامية.
و أنا بصفتي كاتب المقال فعائلتنا كأغلب العائلات الجزائرية عانت لفقدان العّم الذي خلف من ورائه أرملة و ثلاث أبناء, و الذي سأسرد لكم قصته حيث كان فدائيا في حي المدينة الجديدة بوهران و الذي كأقرانه في ذاك الوقت خرج ذات صباح أيام الهرج و المرج الذي صاحب أياما بعد الإعلان عن يوم النصر خلال 19 مارس 1962.
فلكم ان تحكموا لما فعلته ميليشيات “OAS” به أين لم يظهر على ال”سي عبد القادر” أي أثر,و لكم أن تحكموا على دموع جدتي ووالدي رحمهما الله و هما يذرفانها كلما تناول الحديث ذكرى الشهيد ال”سي عبد القادر” الذي كان ذنبه الوحيد هو الرغبة في استقلال الجزائر .
و لكم أن تحكموا كيف لأولاده الذين تركهم و كبيرهم كان لم يفطم بعد و الذين لم يجدوا و لو ذكرى غير صور بالية بالأبيض و الأسود,بدون قبر يلجؤون إليه أيام الأعياد و في مختلف المناسبات كما تجري عندنا الأعراف.
و إذا كانت هاته القصة الحزينة التي لا يعرف مكان طمر أو بقايا الهيكل العظمي إن بقي هيكل لبطلها ال”سي عبد القادر” رحمه الله فما بالك عن قصص أذيبت فيها أجساد أصحابها في الزيت المغلي أو تم التخلص منهم برميهم في روح الملح الذي يلتهم اللحم قبل العظم.
نعم يا سادة هاته هي جرائم فرنسا التي تمت بتواطئ جيشها و ميليشيات “OAS” التي أخرجت السجناء من سجن “المدينة الجديدة” و أحرقتهم أحياء بتواطئ الحراس,فكيف يريدنا العالم أن ننسى و شهداؤنا لا نزال لا نعرف إحداثيات دفنهم,فمنهم من لا يزال حبيس الآبار و المطمورات و منهم من احتضنتهم أعماق البحار في عملية “جمبري ماسو” حين كان يلقى المجاهد في برميل يسكب عليه إسمنت الخرسانة المسلح و يلقى حيا في أعماق “كوفا لاوا” قرب المرسى الكبير.
و أنا أتذكر عبر سلسلة المرويات لبقايا الشيوخ من المجاهدين و المجاهدات أتعجب من مطالبة الأقدام السوداء لممتلكاتهم المزعومة في الجزائر,فعن أي ممتلكات يتحدثون و أحبابنا المجاهدون المغيبون قسرا لا يعرف لهم مصير غير عزاؤنا فيهم أنهم في جنات عليين.
حيث تأبى أرض الجزائر الطاهرة إلا أن يكون تحت أي شبر منها جثمان شهيد,أين بات أساس كل بيت تحته المئات من رفات هؤلاء الأبطال, و كأنهم يقولون لنا أنهم دافعوا على الأرض أحياء و تدافع ذكراهم تحت الثرى عليها و هم أشلاء…فطوبى و حسن مئاب و المجد و الخلود لشهدائنا الأبرار.
“لواس” تباغث السكان في رمضان و ذكرى تحرير وهران…المدينة الجديدة تقّدم 80 شهيدا على مذبح الحرية