الناظر إلى تاريخ الثورة الجزائرية المظّفرة بعدسة التأريخ سوف يجد حتما المئات أو لنقل الآلاف من الملاحم أو ما يزيد بكثير من ذلك,لما تحتويه تلك القصص الواقعية من حماس فيّاض و استعداد الجزائري للتضحية بالغالي و النفيس لأجل إحياء جزائريته.
فكما نعلم أن تفاصيل كفاح الشعب الجزائري منذ أن هّب لمقاومة المستعمر تبدأ مع سقوط أول شهيد على مرمى نيران الغزاة في شواطئ سيدي فرج,لتبدأ بعدها الأرواح تتساقط و تفاصيل قصص تكتب بدماء زكّية لحماية هذه الأرض الطاهرة النقية.
و من خلال الركن الذي آثرت جريدة “المقال” تسميته ب” كي لا ندير ظهرنا لتاريخنا”,ارتأينا أن نعيد تسليط الضوء على بطولات أسلافنا منذ أن وطأت الأقدام الإجرامية الأرض الجزائرية.
فاحترنا بداية الأمر عن كيفية الخوض في قصص هؤلاء الأبطال من عموم الشعب,لكن مع الإجتهاد و نوع من التمحيص و التدقيق,سوف نروي لكم و نعتبر معكم و لو بالنزر القليل من مآثر السابقين كي ينتفع بها اللاحقون.
البداية ستكون عبر قصة شهداء غار الفراحيش,فالزمن أيام مقاومة الأمير عبد القادر الباسلة و المكان قرب مدينة مستغانم و أهوازها , حيث كانت تعيش قبيلة “أولاد رياح” التي لم يكن أفرادها مرحّبين بقدوم الغزاة فكانت تمّد جيش الأمير كسائر أقرانها من القبائل بالمحاربين و تؤّمن لهم المأكل و الملبس.
و رغم تسّتر أفراد تلك القبيلة عن ما كانت تقوم به خدمة للمقاومة تلّقت الوشاية,و على طريقة محاكم التفتيش لاحقت جيوش السفاح “بيلييسيه” -الذي يتغنى البعض بتسمية بعض الطرق على لحن إسم هذا المجرم- أفراد هذه القبيلة التي لم تجد بّدا سوى الفرار نحو شعاب الجبال.
حيث تشير المصادر التاريخية التي وثّقت هذه الملاحقة الرهيبة من لدن المؤرخين الفرنسيين أنفسهم,أن عدد أفراد القبيلة بنسائها و رجالها وشيوخها و أطفالها و عجائزها بلغ 1500 شخص أو يزيدون.
فلم تمهلهم فرنسا حتى فرصة للتفاوض,و لكم أن تتخيلوا أن الجنرال الفرنسي النذل أمر بتطويق المغارة التي احتمى بها هؤلاء و أشعل النيران من كل المداخل و المخارج,و لكم أن تتخيلوا كيف كانت حالة من بالذاخل خصوصا الأطفال الرضّع و الشيوخ الركّع و حتى البهائم الرتّع التي جلبها هؤلاء معهم.
نعم يا سادة فأصوات الإستغاثة لا تزال تدّوي في أرجاء جدران المغارة,التي أضحت مزارا لكل حّر ثائر عبر أنحاء العالم,لكي يرى الجرم الكبير الذي ارتكبته فرنسا التي أرّخ جيشها لأولى المحارق قبل “الهولوكوست” بمائة سنة تقريبا.
و من خلال دراسة خطابات المراسلات العسكرية بين الضباط الفرنسيين الذين أشرفوا على هذه المجزرة, نلمس روح الشماتة و التشّفي لكل من تسّول له نفسه إعانة الجيش القادري,و ما يسعنا من مقامنا هذا إلا أن نقول حسبنا الله و نعم الوكيل.
للإشارة أنه في تلك الحادثة أبيدت قبيلة “بني رياح” عن بكرة أبيها و جّف نسلها,كنوع من التصفية العنصرية العرقية التي واصلتها فرنسا الهمجية مع سائر الأعراش الجزائرية…و لا يزال طبعا لدينا للحديث بقية مع قصص أخرى ملحمية.