الجزء الرابع
خلال الليلة التي أبلغ فيها بعد الإستنطاق الوحشي الذي تعرض له الفدائي عن مكان سلاحه الذي سّلمه للوالد,و بعد أن تم القبض على السي أحمد لكحل الذي كان يبلغ حينها تقريبا 16 سنة,تم اقتياده نحو الثكنة العسكرية بمنطقة السانيا التي تحولت الآن إلى جامعة السانيا.
بدأ الإستنطاق كما أخبرنا المرحوم والدي باستفراد أحد عناصر المخابرات العسكرية الفرنسية في غرفة شبه مظلمة على طريقة الأفلام البوليسية,أين بدأ الضابط يرمي على الوالد و هو طفل في عمر الزهور أعواد الثقاب مع توجيه كل سؤال و كان الوالد يجتهد في إطفائها فوق جسده الرهيف.
و على شاكلة عبارة “إحفظ الميم تحفظك” التي تعلمها هذا الفدائي الصغير من نخبة المجاهدين,فكان عقب كل سؤال الذي يلقى عليه باللغة الفرنسية و يترجمه أحد أذناب الحركة باللغة الدارجة الأم يجيب الوالد لا أعرف و لا أدري.
إلى أن جاء السؤال الرئيسي عن سّر إحتفاظ الوالد بالمسدس الآلي للعنصر الذي ألقي عليه القبض من خلية عائلة “عريس”,و لماذا تم دفنه في روضة الحديقة لمسافة عميقة,هنا جاءت إجابة هذا الفدائي الصغير بريئة و فيها نوع من الإستخفاف بالضابط الفرنسي بأنه اعتقده لعبة.
و هنا ثارت ثائرة الضابط الحقير و راح يركل و يضرب الوالد من كل حذب و صوب,ووجد الصغير يحسن استخدام يديه للدفاع عن نفسه بتفادي اللكمات و الركلات القوية,و بما أن ذات الضابط قيل لوالدي بأنه ملاكم محترف أعجب بتنقلات والدي و تفاديه للضربات بكل احترافية.
فتم سؤاله إن كان يمارس الفن النبيل فأجاب بالإيجاب,فأجابه مرة أخرى ذاك الضابط الوضيع أنه لولا إجادته للملاكمة التي كان يعشقها الضابط لكان مصيره الموت بين يديه,و أمر بأن يوضع في زنزانة إنفرادية حتى يأتي الصباح و يتم عرضه على قاضي التحقيق ثم وكيل الجمهورية العسكري الذي حوّل الفدائي الصغير إلى المحكمة المدنية,التي أمرت بحبسه لمدة ثلاث سنوات في سجن المدينة الجديدة الذي لا يزال قائما لحد الآن.
والدي المرحوم عندما يأتي ذكر سجن المدينة الجديدة تذرف عيناه دموعا ساخنة نتيجة إحدى المشاهد التي ظل يبكيها حتى بعد أن أصيب بمرض “الزهايمر” في أواخر أيامه,حيث يقول أنه عندما حكم عليه بمدة محكوميته تم اقتياده لقاعة المساجين الكبرى التي كانت تضّم تقريبا 100 شخص,و عندما أهّم الحرّاس في إدخاله البوابة الرئيسية للقاعة المذكورة تزامن دخوله مع خروج ذاك الفدائي الصغير في السن -17 سنة-,الذي كان يهّم الحرّاس لإخراجه من أجل إسكانه زنزانة إنفرادية.
فعملية إعادة التسكين كان الغرض منها قضاءه الشهور المتبقية لوحده منعزلا كي يبلغ بعدها 18 سنة و هو العمر الذي يسمح بإعدامه,فيقول الوالد الذي كان زميلا لذات الفدائي في قاعة “مارسيل سيردان” للملاكمة بحي سيدي الهواري أنه تعّجب لعدم إلقاء المعني التحية على الوالد,حيث اكتفى بالإبتسامة البرئية لا غير كنوع من التحية.
و علم الوالد بعدها أن صديقه الذي ارتقى شهيدا بعدها بفصل رأسه عن جسده بالمقصلة,من قبل المساجين من المجاهدين أن ذات التصّرف نابع من الرجولة فلو نطق الشهيد بإسم والدي كان سيلقى الوالد نفس المصير,و كان سيستدعى مجّددا للمحاكمة بحكم معرفته السابقة بمن رمى القنبلة اليدوية على العساكر و أباد منهم العشرات بسلاحه,ففّضل الشهيد الإبتسامة كنوع من التحية على النطق بإسم الوالد.
نعم يا سادة تلك هي أخلاق الزعماء التي تحّلى بها الفدائيون الشباب,فرحم الله كل من ضّحى على هذا الوطن و رحم الله الوالد الذي سوف نتّعرض للغرائب و العجائب التي شاهدها في سجن المدينة الجديدة الذي كان يضم خيرة المجاهدين و الفدائيين,و لعّل أبرزهم “لا لا ستي” بنت “القايدة حليمة” التي كانت إحدى خادمات الثورة الجزائرية المباركة.
يتبع
خلايا الفدائيين دافعت عن وهران ببسالة…المجاهدون الشباب وقفوا النّد للنّد أمام مجرمي “OAS”