ما قل ودل

دور البطل في التاريخ و فكرة الإصلاح…من خلال كتاب شروط النهضة للأستاذ مالك بن نبي

شارك المقال

بقلم…سي الناصر عبد الحميد

يفتتح الأستاذ مالك بن نبي كتابه شروط النهضة بالحديث عن الدور التاريخي للبطل، و الذي تجّسد في التجربة الجزائرية بالأمير عبد القادر ، ذلك الذي صارع الاستعمار طيلة سبعة عشر سنة بكل شجاعة و بسالة استحقاق ، إلا أنه لم يستطع أن يزيح ، بذلك الفعل الجهادي ، غبن الإستعمار عن المجتمع رغم تلك التجربة الواعية التي أبرزها هذا البطل.

و السبب في ذلك في رأي الأستاذ مالك بن نبي ، يكمن في كون المشكلة الجزائرية، كما هي  مشكلة العالم الإسلامي ، أعمق من أن تحّل من خلال معارك حربية بين مجتمع استوفى شروط حضارة غّير بها وجه التاريخ و مجتمع فقد حضارته و استسلم للخمول و الركود ، ليفقد بذلك دوره التاريخي.

و بالتالي لم يعد دور البطل في حقيقة الأمر و في هذه الحقبة التاريخية، رغم أهمية هذا الدور من الناحية الوجودية، إلا استجابة لدوافع دينية تفرض عليه عدم الانصياع و الخذلان أو عواطف إنسانية تجّلت في ضميره كي تمنعه من الاستسلام لهذا الظرف التاريخي الطارئ.

ليكتب للمجتمع بهذا الفعل البطولي الخلود في ذاكرة التاريخ,أو ليعود هذا الدور الحلقة التي سيستأنف عندها هذا المجتمع تاريخ مسيرته لحظة تخلصه من القابلية للاستعمار أي لحظة الانعتاق.

فقد أضحى دور البطل في هذه الحقبة التاريخية، دورا أنطولوجيا أكثر من كونه دورا إصلاحيا باعثا لحياة جديدة، إذ أفقد غياب الفكرة الاصلاح، الفعل البطولي فعاليته الإجتماعية، كونه هذا الفعل، لم يستطع استرجاع الوظيفة الإجتماعية للفرد مما صّعب على المجتمع بدوره، استرجاع وظيفته التاريخية، حيث تمكنت القابلية للاستعمار في إنسان ما بعد الموحدين، من توفير الشروط الموضوعية للفعل الاستعماري من اكتساح ساحة المجتمع المستعمر.

إلا أن الخلل الذي انتاب دور البطل، تداركته الحركة الإصلاحية خلال القرن التاسع عشر، حين انتبهت إلى أهمية فكرة الإصلاح، و جعلت منها مقدمة أساسية في إتمام مشروع التحّرر، حيث أدى ذلك، و من خلال ما ترتب عنها، من تنشيط الساحة الفكرية و الثقافية و السياسية، إلى تحريك ضمير الفرد ليسترجع شعوره بوظيفته الاجتماعية و ينتبه على اثر ذلك أيضا، و تحت تأثير فكرة الواجب، الى ضرورة العمل على تغيير أوضاعه.

من هنا ، أي مبدأ تغيير النفس ، يأخذ مفهوم النهضة عند الأستاذ مالك بن نبي شروطه الموضوعية، و تتشكل في نظره القراءة الصحيحة لبدايات تبلور هذه الإشكالية التي شغلت الكثير من رواد الفكر العربي المعاصر، لينكبوا على إثر ذلك ، على دراسة الأمراض التي اعترت جسد الأمة الإسلامية و دفعت بها إلى أتون التخلف و الانحطاط.

إلا أن هذه الدراسات ، في نظر الأستاذ مالك بن نبي ،لم تتجه الإتجاه الصحيح حين لم تتطرق للموضوع بالشكل الذي يتماشى و جوهر المسألة الحضارية الإسلامية، أي أنها لم تُعالج في سياقها الإجتماعي التاريخي، بل عولجت مسائل النهضة، كمسائل منفصلة عن المسار التاريخي للمجتمع ، حيث اهتم أصحاب هذه الدراسات، بمشكلة الاستعمار و الفقر و التخلف و الأمية.

فوّجهوا بذلك جهدهم الفكري إلى أعراض المرض دون التعّمق في دراسة المرض ذاته، لتفقد بذلك هذه الجهود الفكرية إدراكها بجوهر الإشكالية و انحرفت بذلك عن فهم الخلفية المؤسسة لهذا الوضع الذي تعيشه الأمة كأمة ، لصالح إشكالات عرضية لا توضح بشكل جّلي الظاهرة وفق قوانين التاريخ.

فكل إشكالية اجتماعية هي في حقيقتها وليدة مسارها التاريخي,حيث تلعب الظروف الزمنية و النفسية للظاهرة دورا محّددا لنمط و صورة هذه الأخيرة و بنيتها الداخلية.

لهذا كان من قواعد القراءة الموضوعية الدقيقة، أن نحدد على الرسم البياني لحركة المجتمع، نقطة بدأ تشكل العوامل التي دفعت به نحو حالته الراهنة أو النقطة التي بدأ عندها المؤشر البياني في الانكسار و الانحراف نحو الوضعية التي اضحى عليها اليوم.

ففي رأي الأستاذ مالك بن نبي تعد لحظات التناقض أو الإنقلاب بين مقتضيات الفكرة المؤسسة للمجتمع و سلوك الفرد، هي اللحظة التي تؤّشر على بداية خروج المجتمع من الحضارة، كما تعد إفرازات هذه اللحظة هي العوامل الجوهرية و الصارمة في تشّكل أعراض المرض.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram