
وصلني الكتاب الأخير للفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (حانوم) الذي صدَر شهر جوان الفارط بعنوان:” لحظة أخرى أيضاً” Encore un moment ، وهو مجموعة نصوص شخصيّة وسياسيّة وسوسيولوجية وفلسفيّة ثم أدبيّة.
صدر هذا الكتاب وهو يبلغ اليوم ذكرى ميلاده (08جويلية 2023) القرن والعامين، وقد احتفل ببلوغه القَرن منذ عامين وسمّى نفسه “المائوي” وكتب كتاباً عن سيرته الذّاتية “دُروس قرنٍ من الحياة”، وكانت العبارة التّالية حِكمة تجارب حياته المتنوّعة والغنيّة: ” امْنَحَ الحياة لأيّامك بدلاً من منْح أيامٍ لحياتِك” فله فلسفته فيما أسماه “فنّ العيش”، وأنّ البقاء هي العلاقة الحياتية مع الفنّ والجمال والطّبيعة وحبّ الطّيور والحيوانات والدّفاع عن البِيئة، والاعتراف بالآخر وأنّ هُويّته في عمقها “إنسانيّة” وهو ما صَدّر به كتابه عن قرنه الثّري “أنا كائن إنْساني”.
وأن الذي يُدمّر البشرية هي الكراهيّة والهُوية المختزلة التي ترى الآخر عدوّاً ، وحين يذكر هُويته اليهودية فهو يراها عميقة ومتعدّدة فهو الأندلسي- الإسباني-الإيطالي من السفارديم الذي سيولد في فرنسا ويتشبّع بحضارتها وآدابها ويقاوم النّازية زمن الحرب.
يقرأ تاريخ البشرية وحاضرها من أجل مستقبل سلام دائم وقد هالته الحرب الروسية-الأوكرانية، فالعالم هو مِثل “الكائن المركّب” من جزئيات لا يمكن للجزء أن يعيش خارج عمليات الترّكيب، إنّه يعود دوماً في أغلب كتبه وحواراته إلى أنّه في الأصل ميّت لكن دوماً تُوهب له الحياة.
فقد حاولت أمُّه إجهاضه وهو في رحِمها ولم تُفلح وخنقه الحبْل السُّري وصفعات الطبيب أنقذته ثم يفقد والدته وهو في العاشرة من العمر,وهو “الُيتم” الذي عاش مرارته إلى اليوم وهو يتجاوز القرن، ومَرِض بالحمّى القلاعية وشفي، وزارته الموت أربع مرات، ولكن العمر مازالت فيه بقيّة.
وحديثه في كتابه الأخير -وكأنّه يودّع به العالم- عن رحِم أمّه هو حديث عن “الرّحم الخشبي-التّابوت” وعن “القبر” الذي يضمّه.
يتحدث في “لحظة أخرى أيضاً” عن الشّيخوخة حين تكون صالحة ومفيدة ويشبّبها بالخمْر المعتّقة، فعتاقتها قد تكون فاسِدة وقد تكون صالحة، والحديث الشّريف النبوي في ثقافتنا يجعلنا ندعو أن تكون خاتمتنا حسنة وشيخوختنا في الخير والصّلاح “الشّر والخير في طُول العُمر بحسب سلوكنا تجاه الآخر ومجتمعنا”.
و أنا أتصفّح هذا الكتاب في أجواء ذكرى استقلال الجزائر إذ يتعرّض فيه إلى مواقِفه تجاه الجزائر وفلسطين، فقد دافع عن الثورة الجزائريّة، أسّس بمعيّة ديونيس ماسكولو وروبير أنتيلم ولوي –روني دي فوري لجنة المثقّفين المناهضين للحرب في شمال إفريقيا، ودافَع عن شرعيّة استقلال الجزائر.
كما دافع عن شرف مصالي الحاج والميصاليين مما لحقهم من زملائهم بعد قيام الثورة التحريرية، كما تعرّض لمحاولة اغتيال من طرف منظمة الجيش السّري OAS، ووقف أمام المحاكم في فرنسا سنة 2004 بسبب دفاعه عن الفلسطينيين ونقد الصهيونية في مقال له شهير نشره بجريدة لوموند.
صدر كتابه الأخير والعالم ليس بخير سياسياً وإنسانياً وأيكولوجيا وهو ما عبّر عنه كقلق تجاه البشرية والكون منذ عقود طويلة من الزّمن في كتبه وحواراته ولقاءاته، ومن تغريداته الأخيرة وهو يتألم لحالة فرنسا المحروقة بسبب قتل نائل من طرف شرطي فرنسا قوله: “الانجراف المأساوي يحول الاستياء إلى الغضب ويصبح الغضب سُخطاً أعمى”.
الكتاب مُفعمٌ بالحياة والنّقد الذّاتي والاعترافات، وأكثر اعتراف بزوجته المغربية الأكاديمية صباح أبو السلام التي تزوّجها سنة 2009 وفارق العمر بينهما أربعون عاماً بعد لقاء في مهرجان الموسيقى الرّوحية بفاس، وكانت بركة نصوص ديستوفسكي هي التي جمعتهم وحبّبتهم لبعضهما.
كما يعترف لزملائه الذين فارقوا الحياة وكانت صداقتهم لها حياة أخرى رغم الانتقاد والاحتقار الذي لحقه بسبب آرائه في كتبه ونعت هؤلاء ب”ملاّك عقّارات المعرفة”، وقد تبيّن في العقود الأخيرة أنّ بعض آرائِه العلميّة التي ضَمّها بالخصوص في عمله الأساسي “المنهج” صار لها حضوراً في المحافِل العلميّة.
كان إدغار موران يُراجع ذاته وأراءه دون عقدة أو تردّد، انخرط في الحزب الشّيوعي الفرنسي ثم انسحب منه ونقد الشّيوعية والستالينية وكتب مقالاً عنوانه “الرّفيق-الله” في الخمسينات عاد إليه في هذه الكتاب، وهو يفخَر كونه غير منتمٍ حزبياً وأن الإيدولوجيا قد تكون عائقاً معرفياً وتضرّ ببصيرة المثقف.
فصول هذا الكتاب متنوّعة بعبارات مكثّفة وبلغة أدبيّة جميلة، تنتعش في نصوصه الحياة، ويَفاعته الشّبابية وتجارب كهولته تحضر هنا في بلاغة تذكّرنا بالفلاسفة والأدباء الذين تأثّر بهم ومنهم الذي يتحدّث عنه في لحظة من اللحظات المبْهِرة في حياته “ميشيل إيكيم دي مونتين” (ت 1592).
كما يتحدّث عن الجلاّدين في فصل “لحظة أخرى أيها الجلاّد” وفيها يتناول مائويته ومعاني العيْش، ثم يتحدّث عن “مهمّة المثقف” و”وعي الوعي” و”دفاعاً عن الإنسانيّة”، وفي باب “في ظِلّ التّاريخ” يعود إلى تاريخ النّازية وينتقد بعض مواقفه وتصوّراته، كما يفخر بمقاومته لها.
وعن الدّيمقراطية والحريات يضع عنواناً “نُغيّر الصّوت”، وينتقد الفكر الاجتماعي في فرنسا، كما يتناول انهيار أغذيتنا، وهو الذي فرض على نفسه حِمية منذ عقود ويقول أنه عاد إلى الغذاء المتوسطي (زيت الزيتون)، وفي الفصول الأخيرة تناول “من أجل سياسة للمدينة والمرافق” وفيها يطرح قضايا الحرية والمرأة والعيش.
يحضر في “لحظات حياته” كانط بأسئلته الكونيّة الخالدة: ماذا يمكنني معرفته؟ ماذا يجب عليّ أن أفعل ؟ ماهو المسموح لي برجائه؟، هنا الرجاء أو الأمل الذي يحدو بإدغار موران أن نتقن “فنّ العيش” والدّهشة التي كانت بداية الفلسفة والتفكير، باقية تجاه الحياة بكل مركباتها وجمالها، وأن ثورة الجينوم والأبحاث النووية التي حذّر من سوء استعمالها منذ أكثر من نصف قرن تعود اليوم التحذيرات والتخوّفات حاضرة التي لم يهتم بها زملاؤه في زمنه.
في الأخير يمكن أن نردد مع الشيخ –الشاب إدغار موران:
Le plus étonnant est que l’on s’étonne si peu de vivre.