بعد محكومية قضاها الوالد عليه رحمة الله في سجن المدينة الجديدة قدّرت بسنتين كانت له زادا إضافيا في حب الوطنية و تعلق أكثر و أكثر بالثورة التحريرية,تم تحويله بعد بلوغه السّن القانوني نحو مركز التجنيد الإجباري “nouvion” أو مدينة “الغمري” حاليا بالقرب من مدينة المحمدية.
و دون أن يرى المراهق الشجاع والدته بحكم أنه عرف اليتم منذ سن الخامسة من عمره,تم ترحيله وجهة مدينة شارل فيل مييزير “Charleville-Mézières”,و كان التنقل بحرا عن طريق سفينة “لاكييه” أو “lakier” و هي نفسها العبارة التي يطلقها من يكملون الخدمة الوطنية,فهي عبارة عاطفية تنسب للتضحيات الجسام التي قام بها أبناء الوطن الذين رّحلوا لأداء الخدمة الوطنية الإجبارية تماما كما حصل لأسلافهم المنفيين للأراضي الكاليدونية قبلهم.
فترحيل الوالد جاء بقرار من وكيل جمهورية وهران في العهد الإستعماري حينها,قصد إبعاد هذا الفتى الذي كان في نظر الإدارة الإستعمارية مشاغبا عن ثورة التحرير,لكن بالعكس كان كل ما هو جزائري في تلك الفترة يتنفس هواء الإستقلال العليل الذي كان يراه أزلام فرنسا بعيدا و كان يراه الثوار قريبا.
فكانت سنة 1957 و في جو بارد شحن الوالد رفقة أقرانه ممن أريد لهم أداء الخدمة الوطنية الإجبارية في الأراضي الفرنسية من ميناء “مرسى الحجاج”,فكانت رحلة بحرية شاقة تميزت بكل ما هو عنصري بثير ضغينة الفرنسيين اتجاه كل ما هو جزائري.
حيث بشهادة المرحوم فلقد تم احتجازهم خلال فترة الإبحار الأولى في أسفل السفينة و كأنهم عبيد في نفس الصورة التي حاكاها “أكسندر هالي” في فيلم “جذور”,فالفكرة كانت واحدة و هي الإستعباد و فقط.
بينما كان الجنود الفرنسيين العائدين بأضرار بليغة من جبال الجزائر مقامهم في أعلى السفينة “a babord”
,و كانوا يتمتعون بكل شروط الرفاهية في المأكل و المشرب,بينما أثناء التدقيق في وضعيتهم ترى البعض منهم مبتور الأرجل و البعض الآخر بترت أطرافه الأخرى و أقلهم ضررا يحمل كسورا و جروحا بليغة.
و كانت إحدى أقسام السفينة مخصصة لثلاجة حفظ جثث الجنود و أفراد الأمن الفرنسيين الذين قضوا في المعارك الضارية ضد أشاوس جيش التحرير الوطني.
و عند بلوغ السفينة “lakier” منتصف عرض البحر سمح للمجّندين الجزائريين بالتجول على سطح السفينة,ما دام هروبهم أضحى من سابع المستحيلات,و هنا أثناء تجول الوالد رفقة أقرانه سمع أحد أفراد القوات الخاصة الفرنسية يتباهى بقطعه آذان ‘الفلّاقة” و جلبها معه كذكرى و كان يشير كنوع من الإستفزاز للجزائريين بتواجدها في إحدى حقائبه.
عندها ثارت ثائرة من كان يبلغ من العمر حينها 18 سنة,و انتظر أن يلتحق ركب هؤلاء الجنود المجريمين بال”ريفيكتوار” لتناول إحدى الوجبات التي كانت دسمة لهم و فقيرة بالنسبة للمجّندين,و عندها قام ذاك الشبل الثوري بخطة جهنمية أثارت مخاوف كل من كان على ظهر السفينة من المجّندين .
يتبع
سجن المدينة الجديدة شاهد على عظمة كفاح الجزائريين…الثورة كانت تحمي المجاهدين حتى داخل الزنازين