ما قل ودل

ذكرى 11 سبتمبر-ذكرى الحُزن…صِراع القِيم والفَهْم المحْجوب

شارك المقال

تساءل بعض الكُتّاب الأمريكيين كيف سيحتفلون بذكرى 11 سبتمبر المئويّة أي بعد ثمانين سنة؟، بعضهم أجَابَ: سوف تُعتبر حادثة عابِرة وينسى الأمريكيون تاريخ الألم وهذا من طبيعتهم، واعتبر بعضهم أنّ القَرن سوف يكون “القرن الصيني” وستتخلى الولايات المتحدة الأمريكية عن غطرستها العالمية وفرض قِيمها بالقوّة.

 في مثل هذه المقالات والتّحليلات تحضر الأزمنة الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل، أو يُقرأ الماضي والحاضر بالتنبؤ أو التّوقع، إنّها طبيعة النّهوض بعد السّقوط، سقوط حزين في 11 سبتمبر لبرجين يشكّلان رمزية اقتصادية وإزْهاق أرواحٍ، ولكنّه كان سقوطاً فضيعاً لغطرسة أمريكية أو فشل محاولة تحويل “القِيم” التي تُؤمِن بها بعض الأنظمة الغربية إلى “عقيدة”.

ومن هنا المجابهة المسلّحة مع “عقيدة” تمّ تأويلها عند القاعدة وطالبان وداعش بنفسية المظلوم الذي يرى القهر والاعتداء سواء من طرف القوى الغربية أو من أنظمة “طاغوتية” أنبتها المستعمر والمصالح الاقتصادية الغربية في تُربة تمتلك “الثّروة” و”العقيدة”.

الذكرى العشرون للحُزن في أمريكا بطعم الخسارة في أفغانستان سبقها عند الفرنسيين تدشين محكمة جديدة لمحاكمة الذين قاموا بهجومات إرهابية في 2015، وصَنع الإعلام الفرنسي هالة ليس لمعرفة الحقيقة التي يَسعون إليها ولكن كانت بداية المحاكمة ترويجاً لقِيم الديمقراطية والعدالة والمساوة الفرنسية.

وكانت الصّدمة أن المتّهم النّاجي البلجيكي “صلاح عبد السلام” نطق بالشهادتين بعد سُكوته الطّويل، وكان صدمة للقضاة والحُضور ولم يستوعب ذلك الفرنسيون، إنّه التّأويل القِتالي “للشّهادة التّوحيديّة” التي تتشارك لفظاً مع “الشّهادة” المقدّسة -الموت في سبيل الله-.

إنّنا أمامَ “عقيدة مُؤَوّلة” في مُواجهة “قِيم إنسانيّة” صارت “عقيدة” تؤَوّل من أجل الهيمنة على الشُّعوب الضّعيفة والتدخّل في شؤونها، ألم يكن ضَحايا عشرين سنة الماضية جريمة تأويل “القِيم” و”العَقيدة”؟ أليس التّخريب والدّمار الذي لحِق العراق وأفغانستان ونشوء الجماعات المسلحة وظُلم الفلسطينيين من نتائج “الغطرسة الغربية”؟ كما أصبحت أمكنة الفوضى في العالم العربي بعد ربيعها مرتعاً لداعش “إدارة التّوحش”، التّوحش الذي يكون في المعنى قبل الفِعل في تأويل وتوظيف “العَقيدة” و”القِيَم”.

تابعت اليوم ذكريات الحُزن وما كتب عن الذّكرى ومازال الأمريكيون يبحثون عن “الحقيقة” ويتردّد المسؤولون في نشر جزء منها، ولعلّهم يبتزّون بها دولاً إسلاميّة، ولكن “الحَقيقة” دون “الفَهم” لما حدث يؤرّقِهم، أو يحاولون عدم “الفَهم” لأن ذلك يجعلهم عَرايا أمام أنفسهم ويُدركون أنّ “العدالة دون حُبٍّ لن تتحقّق” الحبّ هنا حبّ الآخر.

ويكون بالانتصار لقضيّته وتحقيق العدالة بين الشعوب، وإلا كيف السّلطة في فرنسا تشجع الإسلاموفوبيا -العداء للإسلام- وتَقهر قِيماً أخرى باسم قِيمها الجمهورية التي تحوَّلت إلى “عقيدة” وتتحدّث ببهرجة عن “العدالة” بمناسبة محاكمة مجموعة تفجيرات باتكلان وتجعل من ذلك ترويجاً لها.

مهما اختلفنا أو اتفقنا حول ما جرى في العشرين سنة، فإن الذين يتذكّرون الحزن ينظرون للمستقبل ويَحتفون بضحاياهم بطريقة مُبدعة ومُؤثّرة، وتجسّد الإبداع في النّصب التذكاري الذي وضعوه أمام البرجين وهو “حوْضٌ مائي” على حوافِّه تم تدبيج أسماء ثلاث آلاف ضحية.

يَنساب الماء (الحياة والمستقبل) نحو هُوّة عميقة (إنّه الحزن العميق وعدم النّسيان)، إن انْسيابَه وجريانه هي أرواحٌ هؤلاء الضّحايا التي تعيش في الذّاكرة كالماء الذي لا زمن له وهو “التّعميد” عندهم و”الطّهارة” عندنا.

هكذا تُوضع النُّصب ويكون الإبداع فيها، وأكيد أنّ الذين فكّروا وخطّطوا وأنجزوا ليس لهم عقليّة التّزفيت والإسمنت أو مرض التّكرار والتّقليد والنّسخ، وسأعود إلى الرّمزيات ودلالتها في إعادة إحياء الذاكرة وسرديّتها في مناسبة أخرى.

ملاحظة: ذكرى 11 سبتمبر في أجواء عالمية جديدة…(النص كتبته منذ سنتين ولازال حاضرا).

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram