حاوره الزميل مهدي مسعودي
يعتبر “جاك ماري بورجي” من بين الصحفيين الأشد التزاما على المستوى العالمي,فهو من بين الإعلاميين المحترفين في الميدان باعتراف الجميع,فلطالما شّرف مهنة المتاعب من خلال تغطيات صحفية في المستوى كشف من خلالها لّب الحقائق بعيدا عن التزييف و التنميق و التزويق الذي يخدم طرفا ضد آخر,فالتزامه بأخلقيات المهنة كاد أن يكلفه حياته خلال تغطيته لأحداث الإنتفاضة الفلسطينية الثانية التي اشتعل رحاها خلال شهر سبتمبر من عام 2000 بعد اقتحام أرييل شارون لباحة المسجد الأقصى المقدس,أين كان “جاك ماري بورجيه” هدفا لأحد قناصة جيش التسحال الصهيوني و كان ذلك بتاريخ 21 أكتوبر عام 2000.
و على بعد أيام من الذكرى ال23 من هذا الحادث الجبان من جانب الصهاينة رحّب “جاك ماري بورجييه” بكل رحابة صدر كي يكون ضيفا على موقع الجزائر 54 عبر إجابته على العديد من الأسئلة خصوصا ما تعلق بالظرف الذي تعيشه الساحة الفلسطينية راهنا,و سياسة الكيل بمكيالين التي أضحت تعيشها القضية الفلسطينية خصوصا من جانب الإنتقاذات و كذا الإتهامات حول انتهاك حقوق الإنسان.
فجاءت أجوبته عفوية حول الظرف الحالي الصعب الذي تعيشه فلسطين و أيضا سجاله القضائي الذي لا يزال يخوضه ضد إسرائيل و نقص الدعم من الجانب الفرنسي والدور المشين الذي تلعبه المنظمة غير الحكومية “مراسلون بلا حدود”، والتي كان يشرف عليها روبير مينارد ثم كريستوف ديلوار.
يعتبر تاريخ السبت الماضي السابع من أكتوبر 2023 احتفاء بمرور نصف قرن على نصر أكتوبر المجيد و تزامن هذا التاريخ مع الضربة الإستعراضية المفاجأة التي وجهتها حركة حماس و التي استطاعت من خلالها المقاومة إعطاء صيغة أخرى للصراع الفلسطيني الإسرائيلي,فماهي الآثار التي ستنجّر عقب هذا الإنجاز التاريخي؟
حقا فإن الظرف تاريخي و استثنائي حيث أن المقاومون استطاعوا توجيه ضربة استعراضية مفاجأة داخل الأراضي المحتلة و ذلك بعد نصف قرن من نصر أكتوبر المجيد,فهجوم حماس يعتبر لحظة تاريخية للمقاومة الفلسطينية التي بدأت تتعافى و استعادت حيويتها التنظيمية التي افتقدتها منذ 1948,التي توالت بعدها بمسلسل النكبة الرهيب الذي هّجر من خلاله الآلاف من الشعب الفلسطيني,أين عرفت حركة المقاومة بعدها ب25 سنة جمودا رهيبا,حيث أطفأت جمرتها بعد ذلك خلال حرب 1967,أين تنّكر للمقاومة الجيران العرب و تم إزاحة ما تبقى من مقاوميها خصوصا بعد استيلاء قوات “موشي دايان” على القدس الشرقية و الضفة الغربية.
و بقي الأمر على حاله إلى غاية 1970,أين عمل أبو جهاد و ياسر عرفات على عودة الروح مجددا للمقاومة,حيث تركز أداؤها من خلال خلايا “كوموندو” لعبت على ضرب المصالح الصهيونية في الخارج,بعدها حاربت منظمة التحرير الفلسطينية ببسالة في بيروت التي اضطرت إلى مغادرتها سنة 1982,وفي الأعوام التالية شهدنا ما وصفه العالم الغربي بـمصطلح”الإرهاب” ـ في هيئة انتحارية أحياناً ـ مع صعود الحركات الإسلامية مثل حماس.ولم تكن حلقتا الانتفاضة سوى معارك خاسرة,أين اضطر الرأي العالمي للتصديق بأن هذه الدويلة الصغيرة-الكيان الصهيوني- لا يمكنها أن تقهر.
لهذا فأنا أرى ما قامت به حركة حماس من استعراض للقوى يعتبر عودة لحرب العصابات التي انطفأ لهيبها منذ ستين عاما. و أعتقد أن حزب الله، على المستوى العسكري التنظيمي من خلال ما قام به عام 2006، عندما طارد الإسرائيليين من جنوب لبنان، استطاع أن يعيد البصيرة على نفس النهج- القتال المسلح- للفلسطينيين .و إنني أجزم أن هجوم المقاومة الأخير ما هو إلا بداية انتفاضة جديدة ستكون بالرصاص هذه المرة و ليس بالحجارة ككل مرة.
الهجوم الذي فاجأ إسرائيل السبت الماضي 07 أكتوبر استطاع أن يقضي حسب رأي الخبراء على أسطورة القوة العسكرية العظمى للدولة العبرية. هل تشترك في هذا الرأي؟
تماما. فالجيش الإسرائيلي كان لا يؤمن بالكاد بثورة محتملة للشعب المُستعمَر,أما الفلسطينيين فقبل هذا الإنجاز المسلح، كانوا يعيشون روتينا يوميا يسوده التمييز العنصري,حيث كل أمر ينبغي اتخاذه يكون صعبا للغاية,لكن مع ذلك، ظهر جيل جديد صاحب معنويات قتالية عالية يتألف من مقاتلين بلا مستقبل و لا أمل مستعدون للتضحية بأرواحهم التي تفيض بالغضب ومرارة الظلم. وفي الضفة الغربية رأينا، على سبيل المثال في جنين، هؤلاء الكوماندوز الجدد يتصرفون دون أن يكونوا مرتبطين بأي أحزاب فلسطينية سابقة. وبالطبع يمكن العثور على هؤلاء الشباب في غزة، داخل حماس والجهاد الإسلامي. فشعار هؤلاء يبقى دوما “النصر أو الموت”.
فبأمثال هؤلاء المقاتلين وبقيادة استراتيجية ذكية تم تطويرها من مركز قيادة يقع خارج فلسطين، استطاعوا أن يهزوا أسطورة إسرائيل الأمنية. هذه الدولة التي لم تفهم أنها في عام 1973 لولا تدخل أمريكا عام 1973 لكانت انهزمت شر هزيمة أمام المصريين. و لم يفهم الكيان الصهيوني أيضاً أنه انهزم أيضا أمام حزب الله في العام 2006؟ حتى أن “القبة الحديدية” لم تعد تفي بالغرض.لقد سقطت الأسطورة المتداعية تمامًا، والتفوق الوحيد للدولة العبرية يكمن في إتقان الضربات الجوية القوية التي تؤدي إلى نهاية العالم بلا مشاكل..
جديد التطورات على الساحة الشرق-أوسطية أكد سياسة الكيل بمكيالين بالنسبة للمجتمع الدولي,فكيف سيقرأ جاك ماري بورجيه صمت هذا المجتمع إزاء الحصار المفروض على قطاع غزة منذ نحو 17 عاما، والذي سارع إلى إدانة حماس؟
كما نرى فإن التاريخ يعيد نفسه فأمام العالم العربي، يظهر الغرب -الاستعماري في جوهره- كراهيته لشعوبه وثقافاته ودينه. ففي فرنسا، دعم إسرائيل يعني بالنسبة للبعض الاستمرار في الانتقام لـ«خسارة» الجزائر، وبالنسبة لآخرين يؤكدون عنصريتهم. ويكفي أن نرى اليمين المتطرف والحركات المنبثقة من منظمة الجيش السري تظاهرت دعما لإسرائيل في شوارع العاصمة الفرنسية.
فحاليا كما يعلم الجميع الموضوع المتكرر هو “الإرهاب”. فمنذ هجمات 11 سبتمبر 2001، وهجمات مدريد أو باريس، لم يعد الإرهاب سلاح الضعفاء الذي تستخدمه حركات التحرير، سواء كانت حركة جان مولان أو جبهة التحرير الوطني. اليوم للإرهاب قناع واحد فقط، وهو قناع بن لادن. و حتى و إن كان من الناحية النظرية، ميثاق الأمم المتحدة يعترف بحق الشعوب الذين تم احتلال أرضهم للثورة والقتال. ومع ذلك فحاليا حتى لو كانت قضيتهم عادلة، فهم اليوم ليسوا أكثر من “إرهابيين”. إن الغرب، الذي يغرق في تيار مجموعة البريكس، لم يفهم أن بقاء إسرائيل يتطلب السلام. وإلا فإن حركة التحرير التي يغذيها عدد أكبر من السكان الشباب سوف يجعلون الحياة مستحيلة بالنسبة للإسرائيليين والمستوطنين.
باعتبارك ضحية من ضحايا الهمجية الإجرامية للكيان الصهيوني فأنت تعرف تماما كيفية التعليق على رد فعل الطبقة السياسية الفرنسية فيما يخص تطور الوضع مؤخرا ما بين الجانبين الفلسطيني-الإسرائيلي؟
نلحظ حاليا أن الذهنيات تتعرض لحالات تسميم فكري من قبل الحركة الصهيونية,حيث استطاع الصهاينة بطريقة ذكية إقناع السياسيين بتجريم انتقاد إسرائيل. و سيكون حتما لهذه الرقابة الغبية تأثير عكسي، لأننا نرى، بالمقارنة، أن أقوى الانتقادات الموجهة للنظام الاستعماري تأتي من أفواه المواطنين الإسرائيليين. مدركون للخطر الذي تتعرض له بلادهم، حيث يعمل هذا الجنون السياسي والديني اليميني المتطرف والعنصري بمثابة قاطرة تسير بسرعة جنونية. إن الشعب الذي يسيطر على شعب آخر لن يجد الهدوء أبدًا. وفي فرنسا، فإن اختفاء «اليسار»، الذي ضاع في اختياره «المجتمعي» بدلاً من «الاجتماعي»، لا يسهل عليه دعم القضية الفلسطينية. لقد رأينا مؤخرًا أعضاء في حركة “فرنسا الأبية” يزيلون أسمائهم من نص تم طرحه في الجمعية الوطنية والذي دعا إلى إدانة “سياسة الفصل العنصري الإسرائيلية”. وهذا يدل على أن مصير هؤلاء الأشخاص لم يعد يمثل أولوية.
في الأخير ما هي الرسالة التي يود جاك ماري بورجيه توجيهها خصوصا أنه على بعد أيام من احتفاله بمرور 23 عاما على الحادث الإرهابي الجبان الذي مس شخصكم في رام الله؟
أنا ليس لدي رسالة أود توجيهها لكن أملك حلم و هو احترام مواقف و قراراتها الأمم المتحدة و تطبيق لوائحها التي تعرضت للتجاهل من قبل الكيان الصهيوني و ذلك من خلال العودة لحدود 1967 و إعادة القدس الشرقية للفلسطينيين و السماح بعودة اللاجئين لكن أولئك الذين سُرقت منهم فلسطين يواجهون وزنا ثقيلاً من الرأسمالية العالمية، وهي جزء أساسي من استراتيجية واشنطن الجيواستراتيجية، والتي تعتبر إسرائيل بمثابة قاعدة خلفية لها في الشرق الأوسط. وإذا أضفنا إلى هذه الضرورة ثقل هذه المجتمعات اليهودية التي تحدثت عنها في السابق، والتي يسكنها من يعبدون الله بحماقة و هنا أقصد الذين يقضون وقتهم في إعادة كتابة التاريخ القديم لمصلحتهم، ويرغبون في بناء “هيكل ثالث”، و أنا أرى أن مغامرة إسرائيل سوف تواصل مجراها تحت ضريبة الدم.