د. عصام تليمة
منذ اندلاعِ الأحداث والمجازرِ اليوميّة في غزةَ، فيما صاحب عملية (طوفان الأقصى)، والنقاشاتُ لا تتوقّف، تارةً ما بين السياسيّ، وتارة أخرى يغلَّف النقاش بمسحة الدين، أو الفتوى، وبعض هذه النقاشات يبدو في ثوب الشّفقة والخوف على أهل غزةَ، والمقاومة.
لكن بطرحٍ مضمونه وهدفه التشكيكُ، وإلقاء اللوم والتبعة على المقاومة، بأنّها ورّطت أهل غزة في معركة غير متكافئة، وآذت المدنيين، وبسبب تسرعها فيما قامت به، فقد كلفت الشعب الفلسطيني ضريبة فادحة.
فهل هذا الطرح صحيح؟ ربما يكون صحيحًا في حالة لا يختلف عليها أحد، وهي حالة: أن الكيان الصهيوني، يكفي خيره شره، ويجلس ساكتًا هادئًا، وقد أعدّ عدته للخروج من الأراضي المحتلة، وتم عقد هدنة بين الأطراف كلِّها، فقامت المقاومة بخرقها، وقد التزم بها العدوّ، وحافظ على التزامه وسطاءُ.
ربما في مثل هذه الحالة، كان يمكن القول بأن هناك تسرعًا في أي خطوة تقوم بها المقاومة نحو العدوّ. لكن العجيب في هذا المنطق الذي ظاهره العقلُ وباطنه الاستخفاف بالعقل والمنطق معًا، أنه في غالب كلامه يوجه اللوم للضحية ويترك الجلاد.
ومضمون خطابه أنّ على الضعيف أن يظل ضعيفًا طَوال عمره، والمحتل المتجبر يظل متجبرًا، وعلى الناس التسليم له، وكأن المحتل جاء بسلام، ودخل البلاد بالورود، وسيخرج بالطريقة نفسها، بعد أن ينهي رسالته!.
ومثل هذا الكلام ينطوي على مغالطات تحتاج للوقوف معها، منها مغالطات شرعية، ومنها مغالطات سياسية وواقعية؛ لأنَّ من يطرح مثل هذه الشبهة، أو المغالطة في ثوب النصيحة والشفقة، يغلّفها بالنصوص الشرعية التي نهت الإنسان عن أن يلقيَ بنفسه إلى التهلكة، وأن السياسة هي فنّ الممكن.
ومن غير الممكن تحرير مثل هذه الأراضي من محتلّ يؤيده الشرق والغرب، والشمال والجنوب، من شتى أصقاع الأرض. هل البادئ المقاومة أم العدو؟ وأوّل ما ينبغي طرحه هنا: من البادئ بالعدوان هل المقاومة والشعب الفلسطيني أم العدو الصهيوني؟.
إنّ الحقيقة التي لا تخفى على متابع للشأن الفلسطيني، أنَّ عدوان المحتل لم يتوقف يومًا، مهما تبدَّل المسؤولون فيه، فإن جاء الليكود أو العمل أو أي حزب آخر لسُدة الحكم، فهناك رؤية واستراتيجية لا يختلف عليه أحد، الاختلاف في تفاصيل التنفيذ، أمّا الرؤية فلا خلاف عليها لديهم، وفي القلب منها: تهويد القدس، وبناء المستوطنات، وطرد أصحاب الأرض.
فهل توقف ذلك يومًا؟ لم يتوقف، بل إن الإحصاءات تقول: من شهر ماي 2023م حتى جويلية من العام نفسه، أي قبل الأحداث بقليل، عددُ الشهداء في فلسطين أكثرُ من (450) منهم: (67) طفلًا، وهي إحصائية استشهد بها تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودي السابق؛ أي في أقلّ من ثلاثة أشهر نجد هذا العدد، ولم يكن هناك (طوفان الأقصى)، ولا أي تصعيد من المقاومة.
ثم قبل (طوفان الأقصى) بشهور، إلى قُبيله بأيام قلائل، والاعتداءات المتكررة على الأقصى ليلَ نهار، والاعتداء على النساء، والرجال الكبار، بشكل مستفزّ، يدمي قلوب الناس داخل فلسطين وخارجها، فما الحدث الذي دفع بالاحتلال أن يصعّد هذا التصعيد؟ لا يوجد.
إنما كما يفهم كل من يدرس عقلية هذا المحتل، أنه احتلال استيطاني، سواء قاوم أهل البلد، أم صمتوا، أم سلّموا، فلا يفرق معه سوى في طريقة تكملته خُطته ورؤيته.
وإذا غامر هذا العدو مغامرات لا حدود لها، ليقيم كيانه المحتل، وليقيم كل هذه العلاقات من حوله، من مادي ومعنوي، بعد أن كان محارَبًا من الجميع، ومكروهًا من العالم بأسره، فصبر وتحمّل حتى يصل لهدفه، فالأولى بأصحاب الحق والأرض أن يكونوا كذلك.