لم يكن أحد ليدري أن الإنتفاضة الفلسطينية التي أقلعت برمي الحجارة من قبل الشباب و الأطفال في عمر الزهور ذات يوم شتائي الموافق لتاريخ الثامن ديسمبر 1987,سوف تتحول يوما ما إلى مقاومة تطيح بأسطورة الجيش الذي لا يقهر ,بل و تقتل و تأسر ضباط و جنود نخبته,أين تحول الفتيان الصغار بقدرة قادر إلى بواسل للمقاومة.
فحقيقة النضال الفلسطيني إن عدنا بتاريخه إلى الوراء,نقول بأنه حقا بدأ من نقطة الصفر ليتحول إلى طوفان يأكل أمامه الأخضر و اليابس,و يحسب له جيش التساحال المدعوم بأقوى أمم العالم الغربي ألف حساب.
و أبانت حركة حماس بحق أن الأزمة تلد الهمة,فرغم الحصار المطبق على قطاع غزة إلا أن صواريخ المقاومة التي كان يسخر منها العدو,بحجة أنها تحّلق لعشرات الأمتار فقط و تنفجر قبل أن تصطدم بقريستها,هاهي اليوم تلاحق طرائدها ما بعد العاصمة العبرية تل أبيب,و أضحت تعّطل حتى حركة الملاحة في مطار “بن غوريون”.
فالعودة عن طريق تقنية الفلاش باك إلى الوراء,توثق أن بداية تطور الترسانة العسكرية لحركة حماس و مختلف الفصائل الفلسطينية,تزامنت مع الحرب الشرسة التي خاضتها إسرائيل مع حزب الله اللبناني سنة 2006,أين تميزت أشواط وقائع المعارك حينها بالقصف الصاروخي الذي استطاعت من خلاله حركة نصر الله أن تملي شروطها على الكيان الصهيوني,لتكون أول صفعة يتلقاها الإسرائيليون في عهد رئيس وزرائهم الأسبق “إيهود أولمرت”.
فركون إسرائيل حينها إلى الصلح رغما عنها مع حزب الله و تبادل الأسرى بين الطرفين,كان فتيل تطور قدرات المقاومة الفلسطينية,حيث علم المقاومون أن الذرع الصاروخي هو الوسيلة الوحيدة لكي تشرب إسرائيل من نفس الكأس التي طالما سقت من خلالها الفلسطينيين.
فخلاص المقاومة لم يأت من العدم,فمضيها قدما لفرض المنطق الفلسطيني و كذا تحرير الأسرى المتواجدون بالآلاف في السجون الإسرائيلية,لم يكن ليتم لولا تمازج التكنولوجيا مع الروح القتالية.
و لحد الآن لا تزال إسرائيل و العالم برمته متفاجئ عن السّر وراء التطور الصاروخي,و لمعان الخطط العسكرية التي ولدت تحت رحمة الحصار و الظلم المطبق على شعب لا حول له و لا قوة,و كيف لهؤلاء المقاومين أن يصنعوا صواريخ و هم لا يملكون حتى مصانع صهر الحديد و منصات الإطلاق التجريبية,و غير ذلك من الأدوات العسكرية.
حتى جاءتهم تفسيرات هذا التطور عبر شريط فيديو يحكي من خلاله القسّاميون و باقي المقاومين,عن أن معظم الصورايخ التي تم تطويرها ليصل مداها ما وراء غلاف غزة حتى وصلت ل285 كلم,تم جلبها من الأنابيب التي أرادت من خلالها إسرائيل استنزاف الثروة المائية الباطنية لقطاع غزة.
و لم ينته الأمر عند هذا الحد,بل أثبتت المقاومة مرة أخرى أنها تحّسنت قدراتها حتى في مجال الغوص الحربي,عن طريق تكوين فرقة للضفادع البشرية التي استطاع رجالها إضافة إلى صولانهم و جولانهم حول شريط غزة المحاصر بغية فك حصاره عن طريق عمليات نوعية,عكف هؤلاء الأبطال على استخلاص الحديد و القذائف من سفن حربية بريطانية غارقة في الأعماق منذ الحرب العالمية الأولى.
و عبر هذه الكرونولوجيا التي مرت بها قدرات المقاومة,أثبت الفلسطينيون أنهم بحق “قّدها و قدود”,فمن تحول من رمي الحجارة و هو طفل إلى صنديد يرمي الصواريخ و يطير عبر الأجواء و يغوص في البحار,بإمكانه أن يقوم بتحرير أرض فلسطين شرقها و غربها,جنوبها و شمالها…فعاشت المقاومة و عاش الأحرار و عاشت فلسطين.