يشّكل الأمير عبد القادر دونما شك شوكة ستظل عالقة في حلق فرنسا التي لم تستطع إزالتها رغم مرور 138 سنة على انطفاء شمعة هذا البطل الجزائري, الذي باتت خططه و مؤلفاته و معاركه تدّرس في خيرة الجامعات العسكرية العالمية, بل حتى منهاجه صار نبراسا للدول التي تتوق الحرية و لحياة أفضل.
و لا تتنّكر صفحات التاريخ و الفرنسيون أنفسهم دونما شك غير منكرين بأن عبد القادر الجزائري كان أعتى خصوم فرنسا و أنبلهم بشهادة مؤرخيهم, بعد الفاتح الغازي الأموي “عبد الرحمن الغافقي” قائد معركة بلاط الشهداء, التي يتحّسر زبدة مفكري أوروبا على النصر الزائف الذي حصّله “شارل مارتل” و الذي حسبهم حجب نور المعرفة المبّكرة عن القارة العجوز التي كانت تعيش في بحر الظلمات.
فالأمير عبد القادر مثلما فعل الأفاعيل بفرنسا بهزيمته لمائة و عشرين جنرالا من صنيعة و خيرة ضباط “نابوليون بونابارت”, بقي اسمه لحد الآن متلألآ في سماء المجد, في حين تذكر أسماء جنرالات فرنسا فقط في المعاهدات التي خانوها بعد التوقيع عليها أمام الأمير عبد القادر.
ففرنسا تعرف حتما تمام المعرفة أن التاريخ لا يظلم أحدا, لهذا لا تريد تسليم مقتنيات أميرنا و التي تعتبرها إرثا قوميا, و السؤال الذي يطرح نفسه, إذا كان القائمون على التاريخ الفرنسي يعتبرون الأمير عبد القادر أحد خصوم فرنسا الذي أرق مضجع أسيادها في الماضي, فلماذا إذا تريد الاحتفاء بسيوفه و برنوسه و العديد من مقتنياته.
فيبدو أن فرنسا من خلال إبداء رغبتها في الاحتفاظ بسيفي الأمير عبد القادر على وجه الخصوص, ترى في ذلك كبح لجماح روح التحّرر و الانفتاح و دونما شك الفكر الأميري التنويري الذي رآى من خلاله معظم المفكرين و معظم زعماء العالم على أنه مفتاح السلام في العالم.
ففرنسا من خلال حجبها لمقتنيات الأمير عبد القادر تكون قد حجبت خيرة مؤلفاته في قصر أومبواز الذي سجن فيه سليل مدينة معسكر, و التي من خلالها جال بخواطره حول ما يجري في العالم في عهده مع بعض الاستشرافات المستقبلية التي تحققت من بعده, حيث لا ينكر إلا جاحد بأن الأمير كان صاحب الفضل في التنظير لمعاهدة جنيف لحماية الأسرى, و كذا استطاع بحلمه و فكره أن ينّظر لحوار الأديان و حماية الأقليات قبل ميلاد عصبة الأمم و من بعدها الأمم المتحدة بسنوات خلت.
و من ينظر لما قام به عبد القادر الجزائري من مواقف نبيلة حادت عن التعدي على أملاك الغير و أراضي الجوار, يعرف جيدا أن المنطق الدبلوماسي الجزائري الحالي الذي بفضله ناصرت و نصرت الجزائر قضية فلسطين, ما هو إلا امتداد للعقيدة الفكرية للأمير عبد القادر.
و يبدو أن ابن محي الدين رغم انطفاء شمعته منذ قرابة قرن و نصف من الزمان, لا يزال يخيف الأعداء حتى في هذه الأثناء, كيف لا و هو الذي سجن كل من طعن في شخصه حتى بعد مماته, كإيحاء بأنه ارتقى لمنصب الولاية العرفانية باعتباره أيضا من صفوة نقباء الطرق الصوفية.
فمن خلال مسيرة سليل منطقة القيطنة, يظهر جليا مدى خوف أعداء الداخل قبل الخارج من فكرة إنجاز تمثال يليق بعظمته في جبل مرجاجو بوهران, الذي حتما سيكون مفخرة الباهية التي بايعه سكانها مثل باقي الجزائريين على السمع و الطاعة فيما مضى, فرحم الله الأمير و أعان كل من مشى على دربه خدمة للجزائر و سكانها إلى يوم الدين.