تكملة لعدد الأمس حول عودة الحروب الصليبية على ظهر الصهيونية نضيف أن كلا من المشروع الصليبي القديم والصهيوني الحديث قد انطلق من أُسس فكرية صلبة, جسّدها قديما “باباوات روما” حين أعلنوا عن انطلاق “الحرب المقدسة” ضد المسلمين الذين انتزعوا الأرض المقدسة، وانطلقت في القرون الثلاثة الأخيرة من قِبل نخبة ثقافية غربية درست الشرق وتخصصت فيه.
ومن قبل هيرست بعقدين كاملين وفي موسوعته “اليهود واليهودية والصهيونية” يرصد عبد الوهاب المسيري في المجلد السادس أوجه الشبه بين المشروعين الصهيوني والصليبي، ويرى أن كليهما ينطلق من هدف واحد وهو الاستيلاء على فلسطين من أجل المصالح الغربية التي جسّدها الصهاينة في العصر الحديث باعتبارهم “جماعة وظيفية” تخدم الأجندة الإمبريالية الدينية والسياسية.
يقول: “من نقاط التشابه أن المشروعين الإفرنجي والصهيوني مشروعان استعماريان من النوع الاستيطاني الإحلالي، فالمشروع الإفرنجي كان يهدف إلى تكوين جيوب بشرية غربية وممالك فرنجية تدين بالولاء الكامل للعالم الغربي ولذا لم تأت الجيوش وحسب، وإنما أتى معها العنصر البشري الغربي المسيحي ليحل محل العنصر البشري العربي الإسلامي، وهو في هذا لا يختلف عن المشروع الصهيوني إلا في بعض التفاصيل”.
و في استشراق متحيز في عام 1956م قام الدكتور مصطفى السباعي مؤسس كلية الشريعة في جامعة دمشق بزيارة الجامعات الأوروبية ليلتقي بهؤلاء المستشرقين الذين أسّسوا للشرق الأوسط المعاصر، فهُم الطليعة القائدة للسياسي والعسكري الغربي كما كان يراهم السباعي وأبو فهر محمود شاكر وغيرهما من أساطين الثقافة والنهضة المسلمين في القرن العشرين.
اشترك في النشرة البريدية الأسبوعية: سياسة حصاد سياسي من الجزيرة نت لأهم ملفات المنطقة وكما نقرأ في كتاب مصطفى السباعي “الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم” نراه يلتقي في رحلته تلك المستشرق أندرسون رئيس قسم الأحوال الشخصية في جامعة لندن وقتذاك، وكان من ضباط أركان حرب الجيش البريطاني في مصر خلال الحرب العالمية الثانية.
ففي القاهرة تعلَّم أندرسون العربية، وكان يزور الجامع الأزهر، ويلتقي بأحمد أمين وطه حسين ليتلقفَ منهما ماهية الإسلام ومباحثه، فضلا عن شيوخه من كبار المستشرقين الذين تعلّم على أيديهم. ورغم هذه الخبرة العلمية والعملية لم يكن أندرسون -في نظر السباعي- إلا رجلا شديد التعصّب ضد الإسلام، فقد حكى أندرسون للسباعي سماعًا منه في مكتبه أنه أسقط طالبًا أزهريًّا في المراحل النهائية للدكتوراة في التشريع الإسلامي من جامعة لندن, لأنه قدّم أطروحته عن حقوق المرأة في الإسلام.
وقد برهن فيها على أن الإسلام أعطى المرأة حقوقها الكاملة الأمر الذي لم يُعجب أندرسون، يقول السباعي: “فعجبتُ من ذلك وسألتُ هذا المستشرق: وكيف أسقطتَه ومنعته من نوال الدكتوراه لهذا السبب؟ قال: لأنه كان يقول الإسلام يمنح المرأة كذا والإسلام قرر للمرأة كذا، فهل هو ناطق رسمي باسم الإسلام؟ هل هو أبو حنيفة أو الشافعي حتى يقول هذا الكلام ويتكلم باسم الإسلام، إن آراءه في حقوق المرأة لم ينصّ عليها فقهاء الإسلام الأقدمون، فهذا رجل مغرور بنفسه حين ادّعى أنه يفهم الإسلام أكثرَ مما فهمه أبو حنيفة والشافعي”.
ويزداد تعجّب السباعي من جهل هذا المستشرق والمتخصص المطبق بالإسلام وتكريمه الحقيقي للمرأة. متى كان ذلك؟! كان في عام 1956م بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وجلاء الإنجليز عمّا يُعرف بـ”الشرق الأوسط”، ودخول بلداننا حقبة الاستقلال، وانتقال الاستشراق إلى مراحل جديدة من التطور والنضج كما يُفترَض.
وبعد عَقدين من ظهور كتاب مصطفى السباعي صدر كتاب “الاستشراق” للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، وإدوارد لم يكن مسلمًا ولا متحاملًا على الغرب كما قد يُـتّهم “الشيخ السباعي”، فهو رجل من داخل المطبخ الأكاديمي الغربي والأميركي خاصة، عاش بينهم، وهضم تراثهم الفكري والاستشراقي كله، حتى وضع يده على المنطلقات التي جعلت هذا الغرب يصنع صورة متخيّلة للشرقي تتراوح بين الرومانسية والنوستالجيا أحيانًا، وبين التبشيرية والتعصب والبحث عن الهيمنة أحيانا أخرى.
لقد أكد إدوارد سعيد مرارًا أن الاستشراق “أسلوب تفكير يقوم على التمييز الوجودي والمعرفي بين ما يُسمّى “الشرق” وبين ما يُسمّى في معظم الأحيان “الغرب”، وهكذا فإن عددًا بالغ الكثرة من الكُتّاب من بينهم شعراء وروائيون وفلاسفة وأصحاب نظريات سياسية واقتصاديون ومديرون إمبرياليون قد قبلوا التمييز الأساسي بين الشرق والغرب “باعتباره نقطة انطلاق لوضع نظريات مفصّلة وإنشاء ملاحم وكتابة روايات وأوصاف اجتماعية ودراسات سياسية عن الشرق، وعن أهله وعاداته وعقله ومصيره وهلمّ جرّا”.
باختصار كان الاستشراق علما يُجسّد “مؤسسة” جماعية من الأوروبيين ولا سيما البريطانيين والفرنسيين للتعامل مع الشرق، والتحدث عنه، واعتماد آراء معيّنة عنه، ووصفه، وتدريسه للطلاب، وتسوية الأوضاع فيه، والسيطرة عليه، باختصار كما يقول إدوارد سعيد: “الاستشراق أسلوب غربيّ للهيمنة على الشرق، وإعادة بنائه، والتسلّط عليه”.
يتبع
ما سر تحزب الغرب لنتانياهو؟…الحروب الصليبية تعود على ظهر الصهيونية