ما قل ودل

جَبلُ الشّيخ” والجولاني…هل يَكونُ “الوَتدَ” أم “تَنْسِفُه” الأطماعُ والطّائفيّة؟

شارك المقال

أوردت رواية ملحمة جلجامش أنّ جبل “حرمون” بلفظها الكنعاني معناه: “المقدّس” ويسمّى “جبل الشّيخ” لأن قمّته مغطّاة بالثُّلوج، فصُورة ذلك مثل عِمامة الشّيخ البيضاء، “أنّ هذه الأرض هي أرضٌ للخالدين، وأنّهُ عندما أتى جلجامش إلى هذه الأرض ونامَ على سَفح “حرمون” رأى رُؤيا عن مصير الكوْنِ بأكمَلِه وليس مصيره هو فحسب”، ومن هنا سمّى الكتّاب التاريخيّون هذا الجبل بجبل الرُّؤى.

وقد استغلّت إسرائيل ما يحدثُ في سوريا واحتلّت الجبل لما يمثّله من استراتيجية أمنيّة واقتصادية وسياحيّة، كما قصفَت ودمّرت المخزون الحربي السُّوري، وتابع العالم مآسي سجن صيديانا وأفراح السّوريين بسقوطِ نظام الأسد، ونشهد حالة الاضطراب والبُهت والانتظار والغُموض في مواقِفِ المثقفين ممّا يحدث في سوريا.

هنا لا أتحدّث عن الفصيل الذي كان ضدّ النظام منذ بداية المواجهة معه سواء كتابة أو انخراطاً، ولكن ممّن كتبوا عن الإرهاب وضدّ الإسلام السّياسي ثم اليوم يرون أنّ الأهمّ هو زوال نظام الأسد والخُروج من مرحلة “الطّاغية” ويُعوّلون على القيادة الجديدة مهما كان انتماؤُها السّابق أن تقود نحو انتقال ديمقراطي ويحفظ الوحْدة السّورية، في حين فصيلٌ آخر يُخوّف مما هو قادم وأنّ السّوريين سيندمون على “الماضي” الذي ضيّعوه وتكون سوريا بدون أسد أمام حالات “السّودنة” أو “العرقنة” لكون هذين البلدين عرفتا انقسامات وحُروباً طائفية وحركات انفصالية.

موقفان يعبّران عن حالة الخلخل في التّحليل والارتباط بما هو آني وممزوج بالعواطف والمواقف السّياسية، وطبعاً “الماضي” هنا الآمان، والخوف من “المستقبل”، إنها مأساة ذهنيّة التّفكير العربي المعاصر الذي يعيش الثّنائية الانتحارية إمّا هذا أو هذا؟ وهي مأساة تُعبّر عما فعلته بعقلِنا وقدراتنا التّحليلية الأنظمة القوميّة المتهرّئة التي اعتمد بعضها الاستبداد أو انتهى بها الأمر إلى ذلك، وقد نبتت في أجواء الاستعمار الأجنبي والصّراع ضدّ الصهيونية.

ما أتعس أن نكون لعبة شطرنج في يد الأمم القويّة اليوم، وأن لا نفكّر في مستقبلنا خارج الصّراعات والمتغيّرات الدّولية، إن احتلال أجزاء جديدة من وطننا العربي وتمزيق وحْدَة بلدانِه وتفتيت نسيجه الاجتماعي يُدخلنا في مرحلة جديدة أفظع من النّكبة والنّكسة، ومقدمّاتها واضحةٌ للعيان.

و اليوم “جبل الشّيخ” وغداً جبال أخرى ومناطق عزيزة وما لم تأخذه إسرائيل يَصير “جغرافية طائفيّة وعرقيّة”، وفي كلتا الحالتين نكون أمام لحظة “سقوط غرناطات” -لا قدّر الله- وتكون الرؤيا المناميّة الجلجامشية فوق “جبل الشيخ” صادقة عن مصير البلدان العربيّة وليس مصير الكون.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram