مهدي الباز
لؤلؤة المغرب الكبير “تلمسان”، المدينة الواقعة في شمال غرب الجزائر، ثاني أهم مدينة في الجهة الغربية بعد وهران، تبعد عن العاصمة بـ 520 كلم وعن وهران بـ 140 كلم عبر الطريق الوطني 22 و ب 110 كلم عبر الطريق السيار شرق غرب وعن الحدود المغربية بـ 40 كلم وعن ساحل البحر المتوسط بـ 40 كلم. يحدها شمالا شتوان والحناية وشرقا عين فزة ووادي الصفصيف وجنوبا تيرني وجبل بني ورنيد وغربا المنصورة.
كان المغرب الأوسط موطن أكثر الزناتيين الأمازيغ وأسلافهم الجيتول الذين كان لهم تأثير كبير على تاريخ شمال إفريقيا. وعرفت تلمسان بأنها “قاعدة المغرب الأوسط وأمّ بلاد زناتة”. عرفت باسم بوماريا في العهد الروماني, ثم عرفت لاحقا باسم “اقادير” و”مدينة الجدار” في بداية العهد الإسلامي حيث كانت عاصمة للدولة اليفرنية ، ثم سميت “تلمسان” في بداية القرن التاسع الميلادي.
أنشأ المرابطون سنة 1080 بجانب المدينة القديمة ضاحية “تاقرارت”.و أصبحت المدينة عاصمة للمغرب الأوسط في زمن الدولة الزيانية لأكثر من ثلاثة قرون. فخورة بماضيها المجيد والمزدهر، ذات المعالم الأندلسية متأصلة في المغرب الإسلامي الكبير، وصاحبة المواقع الطبيعية الخلابة هي “مدينة الفن والتاريخ” كما كان يسميها جورج مارصي.
تلقب بـ لؤلؤة المغرب الكبير، وجوهرة الغرب الجزائري. وبكثرة ما فيها من المباني الفنية الرائعة الخالدة، وبماضيها الفكري والثقافي و الديني، ف”مسجد المنصورة” مرآة تعكس ماضيها و تحكي تاريخها، لهذا في هذا المقال سنأخذك عزيز القارئ في جولة عبر التاريخ لنعرفك بأهم وأعظم المعالم الدينية الموجودة في أرض الجزائر الحبيبة.
تاريخ المنصورة موجود بمدينة المنصورة، التي شيدها الملوك المرينيون، بها مسجد المنصورة والذي بناه السلطان أبو يعقوب سنة 1303 وأعاد أبو الحسن زخرفة بابه الرئيسي سنة 1336. أسس السلطان أبو يعقوب يوسف في عام 698 هجري / 1299 ميلادي معسكرًا من أجل حصار تلمسان, سُمي الموقع “بالمحلة المنصورة” بسبب منعته وتحصيناته القوية، حيث قام السلطان ببناء قصر ومسجد ومساكن مخصصة للعسكر ولموظفي المعسكر، ونتيجة هذا الحصار تحولت كل أعمال التجارة إلى المنصورة التي شهدت تطوراً هامّاً.
هجر المرينيون المنصورة بعد اغتيال السلطان أبي يعقوب، وهُدمت جزئيا من طرف المحاصَرين. وفي عام 735 هجري / 1335 ميلادي، قام السلطان أبو الحسن بحصارٍ ثانٍ لتلمسان، استسلمت على إثره المدينة المحاصرة، وأصبحت المنصورة، لفترة من الزمن، المقر الرسمي للسلطة المرينية في المغرب الأوسط.

وصف مسجد المنصورة
يتم الدخول إلى مسجد المنصورة عبر 13 بابا وهو محاط بسور، ويتوفر على حصن مربع الزوايا تتوسطه سقية وتحيط بجنباته أروقة ثلاثية من جهتي الغرب والشرق تشكل امتدادا لبلاطات قاعة الصلاة ورواق واحد من جهة الشمال.
قاعة الصلاة
تضم قاعة الصلاة التي تنفتح مباشرة على الحصن 13 بلاطا موازيا لجدار القبلة تتوقف على مستوى الصف الثالث قبل بلوغ المحراب، لتمنح تصميما عرف سابقا في سامراء بمسجد بيبرس (القرن 13م). بجوار المحراب، يمتد فضاء مربع على طول ثلاثة بلاطات تعلوه قبة ومن المحتمل أن الأمر يتعلق بالمجال الذي كانت تحتله المقصورة. أما المحراب فهو عبارة عن غرفة صغيرة الحجم ومستطيلة ملتصقة بخارج الجدار، وبجانبيها ينفتح بابان يؤديان إلى غرفتين صغيرتين.

المئذنة
تلتصق المئذنة المربعة الزوايا بالسور الشمالي في محور المحراب، ولم يتبق منها إلا أربع مستويات. أما زخارفها فتملأ إطارات مستطيلة وتتداخل فيه الفتحات والعقود المسدودة. وفي الواجهة الشمالية تنتشر شبكة من المعينات المصنوعة من الآجر البارز والتي كانت فيما قبل مغطاة بالزليج. تتخذ مئذنة المنصورة شكلا مربعا وهو شكل تتجسد أقدم أمثلته في منارات الجامع الأموي بدمشق التي استوحت تصميمها من الأبراج الرومانية لمعبد زحل التي بنيت على قواعدها.
تعد مئذنة المنصورة من أعلى مآذن الجزائر، وتتشكل نواتها الفارغة من عدة غرف متدرجة. وحسب الباحث لزين فإن أقدم مثال لمئذنة من هذا الشكل تتجسد في منار سوسة الذي يستقي أصوله من المنار العتيق للبتيس ماغنا. كان الموحدون قد تبنوا هذا الشكل الهندسي في مسجد الكتيبة وجامع حسن وخير الدين بإشبيلية.
كما كان الصعود إلى أعلى هذه المآذن يتم بواسطة مدارج مائلة مبنية على قباب أسطوانية مستطيلة تحملها وتنتهي بقباب ذات زوايا بارزة لا زالت أثارها بادية للعيان.

الباب الرئيس
يحمل الباب الرئيسي للمسجد، والذي هو في نفس الوقت مدخل المئذنة، مميزات الأبواب الموحدية. فهو ينفتح بواسطة عقد متجاوز تعلوه عقد مفصصة، تندرج كلها داخل إطار مستطيل. يرتكز القوس على عمودين صغيرين من المرمر، ويحمل في إحدى جنباته نقيشة مكتوبة بالخط الأندلسي. تزين صدفيتان بارزتان الزوايا العلوية للإطار، وهما عنصران كانا شائعي الاستعمال في العهود القديمة، بينما تعرضت الخرجة التي كانت تعلوه للتلف، وتظهر البقايا الأثرية أنها كانت محمولة بواسطة مقرنصات منقوشة من الحجارة وتحدها من الجانبين حاملتا إفريز متقنتا الصنع.