مهدي الباز
تُعَد الجزائر الحبيبة منارةً ثقافيةً وسياحيةً، حيث تزخر بالعديد من المعالم التاريخية والطبيعية التي جعلتها وجهةً مفضلة لعشاق السياحة من جميع أنحاء العالم.
إن تاريخ الجزائر، المليء بالتراث المادي واللامادي، يمتزج بروعة الطبيعة ليشكل عملاً فنياً يروي لنا قصصاً وأساطير غامضة عُمرها يرقى إلى آلاف السنين، وما زالت تُتناقل عبر الأجيال حتى يومنا هذا.
لذا، عزيزي القارئ، سنأخذك في هذا المقال في جولة سياحية وتاريخية إلى مدينة الحماديين، وإلى حارسة لؤلؤة الجزائر، المعروفة بـ “يما قورايا”.

بجاية… لؤلؤة الشرق الجزائري
نبدأ رحلتنا اليوم إلى مدينة من أجمل مدن الجزائر، الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، والتي تُعرف بعاصمة الحمادين. إنها بجاية، لؤلؤة الشرق الجزائري، التي تُعتبر من أهم الوجهات السياحية بفضل المناظر الخلابة التي تحتضنها، كقمة قورايا، وهي مقصدنا السياحي اليوم.
تاريخ بجاية عريق، إذ أسسها الناصر بن عباس ابن حماد بن زيري، أحد ملوك بني حماد، في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، لذا تُعرف أيضاً باسم الناصرية. كما عُرفت المدينة أيضاً باسم بوجي.
جبل يما قورايا… حارس الأسرار
نحن الآن في وجهة تسكن فوق بحر من الأسرار التاريخية، حيث يرتبط اسمها بأحد أبرز المعالم الموجودة على التراب الجزائري، وهو جبل “يمّا قورايا” الذي يرتفع إلى 672 متراً.
يُعتَبَر جبل يما قورايا قمة شامخة تحرس مدينة بجاية، وقد نسجت حوله العديد من الأساطير والحكايات الشعبية، التي ما زال أهل المنطقة يتداولونها حتى اليوم. وقد عجزت الأبحاث التاريخية عن فك لغز قصة هذا الجبل، وقصة المرأة التي أُطلق اسمها على القمة، إذ يُقال إن الجبل يحمل اسم ملكته التي تربعت على عرشه حية وميتة.
أسطورة يما قورايا تتمتع قمة “يما قورايا” بقدسية خاصة، حيث احتضنت مدينة بجاية بأسطورة غامضة لم يتمكن الكثيرون من تحديد أصلها. يعتقد البعض أن الأسطورة تعود لامرأة تُدعى قورية، امرأة حسناء أضفت اسمها على الصخور المحيطة بها. وهناك من يصفها بالمرأة الصالحة الزاهدة، بينما يرى آخرون فيها محاربة شجاعة ثارت ضد الذل والقهر، مما أكسبها لقب “حارسة المدينة”.
ويذهب البعض إلى أن علاقتها بأهالي بجاية تشبه العلاقة بين الأولياء الصالحين وأهل المدن الأخرى، مثل “سيدي بومدين” في تلمسان و”سيدي عبد الرحمن” في العاصمة.

يما قورايا… مقصداً روحياً
يقول كبار مدينة بجاية إن هذه الوليّة الصالحة كانت منذ قرون مقصداً لزوار المنطقة، حيث يُعتقد أن من يزور مقامها يُكفى شر نفسه، وتُمنح له البركات، وتفتح أمامه أبواب الخير الوفير. كما أصبح مقام يما قورايا مقصداً للعازبات اللواتي يردن الزواج، تماماً مثل مقام “سيدي عبد القادر الجيلالي” وسط المدينة، حيث تتبرك النساء هناك للحصول على فارس أحلامهن.

طريق نحو القمة للصعود إلى القمة
يتطلب الأمر السير في مسالك وعرة، حيث يُعد جبل قورايا حامياً للمدينة من رياح الشمال. يبرز جمال القمة، التي تُشبه جسد امرأة تمد أرجلها، وقد سمع أبناء المنطقة العديد من الحكايات عنها. ومن المثير للدهشة أن مقام “يما قورايا” يفتقر إلى القبة المألوفة في أضرحة الأولياء الصالحين، ولا يوجد ضريح أو قبر لهذه المرأة.
ومع ذلك، يتوافد الكثيرون إلى الجبل، حيث يتجمع الزوار في ساحة المقام المفترشة بزراب وحصائر، يقدمونها هبةً للمقام.