ما قل ودل

من يُشوّش على إنجاز فيلم الأمير عبدالقادر الجزائري؟

شارك المقال

التقيت بالأنثربولوجي عالم الاجتماع السّياسي برنو إتيان Bruno Étienne عام 1992، في ملتقى دولي عن الأمير عبدالقادر الجزائري بمدينة سيدي بلعباس، وقد حضره مؤرّخون وفلاسفة وعلماء اجتماع، وقد نظّم الملتقى الأستاذ فرحات محمد –رحمه الله- الذي كان يُشرف على مؤسّسة الأمير عبدالقادر، ومن الذين حضروا هذا الملتقى مصطفى الأشرف –رحمه الله- وكتب عن الملتقى في جريدة “الوطن”، وتحدّث عن مداخلتي التي كانت حول: “التّكوين المعرفي والصّوفي للأمير عبدالقادر”، ثم التقيت ثانية ببرينو إتيان في ستراسبورغ وأهدى لي كتابه عن الماسونيّة، فهو من كبار الماسونيين في فرنسا وأوروبا.

و قد أمضى عشر سنوات بين الأرشيفات والتّنقل إلى كلّ الأماكن التي زارها الأمير -ماعدا مكّة المكرمة- وكانت الحصيلة كتاباً عن الأمير عبد القادر يَتزاوجُ فيها التّاريخ باللغة الجماليّة واستعارات صوفيّة وتحليل اجتماعي وفلسفي، حتى العناوين المختارة للفصُول ذات دلالات تجمع بين التّصوف ومعجميّة ماسونيّة، وقوله عن انتساب الأمير للماسونيّة معروف ومجهور به، رغم أنّ بعض المؤرّخين الفرنسيين الذين كتبوا عن الأمير لم يرَوْا رأيه واعتبروا ذلك تأويلاً لمواقف الأمير وتعاطفه في مناسبات ما مع هذه الحركة.

كتاب برنو إتيان عن الأمير الذي يحتاج ترجمة جديدة إلى اللغة العربية فيه المتعة الجماليّة والمعلومات المكثّفة وليس معنى هذا أن نتلقّف كل ما ورد في الكتاب، فهو تحدّث عنه وعن عائلة الأمير من خلال الأرشيف الفرنسي والتقارير الصّحفية التي كان يكتبها في الغالب الضّباط الفرنسيّون، ومنها حديثه عن الخلاف العائلي في قضايا الميراث، والانشقاقات العائلية.

بعض قضايا الذّاكرة والتّاريخ تحتاج الجهد والتّريث في النّتائج والتّبين والصّدق أما الإثارة فيُجديها كلّ أحدٍ منّا مثل قول الفقهاء في استسهال الفتوى وتشدّدها “الرّخصة من فقيه أمّا التشدّد فيُحسِنه كلّ أحدٍ منّا”، وهناك رموز تاريخيّة تلتقي حولها “الذّاكرة الجماعيّة”، وتابعنا ردّة الفعل في الرّأي الفرنسي حين انتقد الرّئيس الفرنسي ماكرون مواقف نابليون بونابرت.

إنّ الخِلاف حول الأمير طبيعي ويكون في مساحات البحث والمخابر العلميّة، وما يقوله الأرشيف ليس بالضرورة صائباً لا يأتيه الباطل، ولكن رمزيته كرأسمال وطني مثله مثل الشيخ بوعمامة ومصالي الحاج وآيت أحمد وغيرهم، رمزّية لا تقوم على الشّوفينية والتّضليل طبعاً ولكنّها “ذاكرة جماعيّة” تأبى أن يُتلاعب بها أو تُستغلّ أو بحث عن شهرة وإثارة أو تأويل أيديولوجي انتصاري لطائفة دون أخرى مثل الذي لحِق فكر مالك بن نبي أو عبد الحميد بن باديس.

الأمير عبدالقادر ناله التّنكير من بعض الذين كفّروا محي الدّين بن عربي الحاتمي شيخه البرزخي، ومن الذين يرون اتفاقه مع الفرنسيين لإنهاء الحرب استسلاماً وتخلياًّ عن الجهاد، ومن يدري لعل القول بماسونيته يُدخله في تيّار التّطبيع والإبراهيمية؟

و لا يختلف ذلك عن الذين يُصفّون حساباتهم اليوم من خلال الذاكرة والتاريخ او محاولة تقزيم مناطق معينة مثل القول أن الأمير حارب الحساسنة بسعيدة وهذا مخالف للرواية التاريخية أو حربه مع التيجانيين بعين ماضي أو خلافه مع بعض العروش وتعميم كل ذلك على العرش بأكمله ؟

أو القصْد هو التّشويش وعرقلة الفيلم الذي سيُنجز حوْله؟

للأسف في الجزائر كنّا في مرحلة سابقة أمام الذين تصدّوا للفتوى والدّين من غير أهلها وتجرّعنا تأزّماً وطنيّاً وتمزّقاً اجتماعيّا وعنفاً جهنميّاً، واليوم من يتحدّث عن الذّاكرة والتّاريخ هُواة التّواصل الاجتماعي أو الذين في قلوبهم مرضُ الجهويّة والعرقيّة أو حسابات رخيصة أو هم مصفّدون في أغلال الماضي والإيديولوجيا.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram