سقط علي صبيحة اليوم خبر استعداد الجزائر رسميا لصياغة مقترح يتم من خلاله تجريم الإستعمار الفرنسي عبر قانون وضعي, و ذلك حسب ما تناقلته وسائل الإعلام من لدن المجلس الشعبي الوطني, حيث كان وقع الخبر بمثابة سحابة الغيث التي ستمطر لإطفاء نار الحرقة من الحقرة و الذل و الهوان الذي عايشه الجزائريون منذ أن وطأت حملة الماريشال دوبورمون سواحل سيدي فرج, إلى أن غادر آخر جندي من القاعدة البحرية للمرسى الكبير.
فالحديث عن فضائع الإستعمار الفرنسي في الجزائر ذو شجن, حيث ينبغي إعادة تصويب التأريخ له بصيغة أكثر صرامة مع التطّرق بالتفصيل لكل الجرائم التي ارتكبها المحتلون خصوصا تلك التي لم يتم توثيقها و التي توارثها الأسلاف عن الأجداد عبر النقل الشفهي لا غير.
فالجزائر مثلما كانت و ستظل مقبرة للغزاة فأرضها الطاهرة لطالما احتضنت أبناءها أحياء و أموات, فصدق من قال أن كل شبر من أرض الجزائر مسقي بدم شهيد و يحتضن رفاته, و لعل استخراج أحد جثامين الشهداء في ولاية ميلة مؤخرا لهو خير دليل على ثبوت مقولة بأن الجزائر هي أرض الشهداء.
فمثلما آثر الشهيد مختار سعيود أن يوارى الثرى بعد أكثر من ستين عاما على استشهاده, يوجد الآلاف من زملاء سعيود ممن نكّل بهم و أوذوا و ذبحوا لكي ننعم نحن من ورائهم بالأمن و الرخاء.
فالتأريخ للجرائم الفرنسية يجب أن تتظافر فيه جهود الأكاديميين و من تبقى من زمرة المجاهدين من أجل تنوير الرأي العام عن ما قامت به فرنسا ضد الأفراد و الجماعات, و كل ذلك لإيصال رسالة للأجيال القادمة ممن يحاول المندّسون أن يسلبوا عقولهم و يوهمونهم بأفكار تصّب في صالح الاستعمار الفرنسي كالترويج بأن ديغول هو من منح الجزائر الاستقلال و غير ذلك من الأفكار الهدّامة للتغطية على الهزيمة المذّلة التي لقيتها فرنسا في جزائرنا الأبية.
و التأريخ للجرائم الجماعية التي ارتكبها الجيش الفرنسي في حق جنود جيش التحرير في الجبال سيقودنا حتما للجرائم الوحشية اتجاه الأفراد في المدن و المداشر بدون وجه حق, أين كانت عمليات الاستنطاق خارجة عن الأعراف العسكرية و على الطريقة الصهيونية الحالية التي يتقاطع فيها وجه الشبه ما بين الاستعمارين.
فلحد كتابة هذه الأسطر لا تزال جثامين الآلاف من الشهداء تقبع في عرض البحار فمنهم من ألقي من الهيليكبوتر و منهم من أغرق في برميل من الإسمنت المسلح من قبل قوات ماسو و بيجار في عملية عرفت بتسمية الجمبري, و منهم من تم طمره في غياهب الآبار المنتشرة هنا و هناك في ربوع الأرياف و الغابات و الصحاري.
فحقا التأريخ لمثل هكذا أحداث يحتاج أشخاص أكفاء وظيفتهم تبيان أن جرائم فرنسا لا و لن تسقط بالتقادم, لكي يعلم أحفاد نابوليون أن الجزائريون هم بحق أحفاد الأمير عبد القادر و أقسموا على البّر بقسمه حين قال “سوف تحاربون جيلنا و الأجيال التي تأتي من بعده” و ها نحن ذا.