ما قل ودل

الأمن الفكري و الثقافي في ظل التحولات الدولية الراهنة…مدينة معسكر تناقش الحدث بصيغة أكاديمية متميزة

شارك المقال

احتضنت يوم أمس دار الثقافة بمدينة معسكر حدثا أكاديميا بارزا من تنظيم نادي البيان, حيث عرفت حاضرة الأمير عبد القادر توافد كوكبة من ألمع الأساتذة الجامعيين للتبّحر العلمي في اليوم الدراسي الذي عرف حضور جهابدة في مجال الجيوبوليتيك, و كل ما له علاقة بالأمن السبيراني و علم الاجتماع السياسي من أمثال الأستاذ طواقين و غيره من القامات الشامخة و المائزة في مجال الفكر و التخطيط الفكري لما فيه صلاح البلاد و العباد.

و لعل أبرز توصية تمّخض عنها هذا المجمع العلمي الحافل, هي التفكير في  تكرار ذات الحدث الأكاديمي لكن بصبغة وطنية و لما لا دولية من أجل خلق ديناميكيات فعّالة للذود عن مصير أمتنا و باقي الأمم من خطر الهيجان الفكري الجهنمي الذي يتوّعد العالم بمصير حالك في حالة عدم تدخل المتمّرسين في المجال لأجل إنقاذه من غياهب الظلام الدامس, خصوصا ما تعّلق بحماية مستقبل الجيل الحالي و الجيل الذي يليه و هّلم جّرا من الأجيال المتعاقبة.

و لعل ما أعطى لذات الحدث الأكاديمي ثقلا رمزيا هو حضور جمع مبارك من خيرة ما أنجبت الجامعة الجزائرية في عهد الاستقلال, لعل أبرزهم الخبير الأمني أحمد ميزاب, و كذا البروفيسور العربي بوعمامة رئيس مخبر الدراسات الاتصالية والاعلامية بجامعة مستغانم, و كذا الأستاذ الطيبي غماري من جامعة عين تموشنت برفقة الأستاذ الجيلالي مستاري ممثلا عن مركز البحث في الإنثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية بوهران, و كذا الأستاذ نوري إدريس من جامعة سطيف.

و من خلال المحاضرات التي أدلى بها هؤلاء المتدخلون أضفوا على القاعة جّوا علميا حماسيا رهيبا, تجاوب من خلاله زمرة من الأساتذة و كذا عموم الحضور من مختلف الشرائح, أين كان الشرح وافيا و كافيا عن العنوان الموسوم به هذا اليوم الدراسي.

و بما أن موضوع اليوم الدراسي بات أكثر من مهم لعموم الجزائريين, عرف المحاضرون كيفية التسويق للحدث من خلال إفهام الحاضرين على أن يكون التعميم للبقية المتبقية من عموم الجزائريين, أن الأمن الفكري و الثقافي لم يعد فقط ذاك المصطلح المرتبط بكل ما هو أمني, بل بات حقيقة يجب تقبلها من خلال ما يجري للعالم و بطبيعة الحال لبلادنا الجزائر من متغيرات ضمنية تتمثل في تدخلات أيادي خارجية من خلال حقن موجهة عن طريق القوى الناعمة من أجل تثبيط العزائم و تعميم ثقافة الإنهزامية خصوصا في طبقة الشباب , أين تسعى جهات فاعلة بإيعاز من مخابر عالمية في إغراق الشباب في مفترق التشكيك في الهوية و هّلم جّرا من أفكار هدّامة تسّهل مهمات أصحاب المبادئ التوسعية التي تتخذ من ضرب المجتمعات في الصميم كسلاح أولي يستوجب بعدها التدخل بصفة مباشرة, تماما كما جرى للشقيقة سوريا و العراق و كذا اليمن و ليبيا و الصومال و الأمثلة بإمكانها أن تتكّرر أكثر و أكثر في حالة عدم الذود عن المكاسب و المكتسبات التي تحققت من خلال كفاح الشعوب من أجل نيل استقلالها.

و من خلال ذات المفاهيم تقاسم الأساتذة المحاضرون كل حسب اختصاصه التعريف بكيفية مقاومة المّد الفكري و الثقافي للقوى المعادية في بلادنا و باقي البلدان الحرة التي لا تزال تقاوم من أجل صّد هذه الهجمات, و بشأن ذلك نظّر كعادته و بأسلوب مشوق الأستاذ ميزاب أحمد لنظرية المؤامرة الثقافية و الفكرية التي تحاك على بلادنا, و التي يرغب الفاعلون من خلالها بث الفوضى و عدم الاستقرار, لذا نصح ذات الأكاديمي بضرورة حقن المجتمع بحقن المناعة التي ينبغي أن تكون في أوساط الشباب و كذا مختلف البيئات الاجتماعية لأجل الحفاظ و الذود عن مكتسبات الأمة, و أسس الدولة التي أسّست بتضحيات و دماء الشهداء.

و جاء تدخل البروفيسور العربي بوعمامة صائبا هو الآخر من الناحية التقنية, حيث أشار من خلال محاضرته إلى الخطر الداهم القادم من خلال العالم الرقمي الافتراضي الذي يبث القلاقل و كذا يقوم بتوجيه غير مباشر للمتّلقي على مستوى منصات التواصل الاجتماعي عبر تطوير خوارزميات تقدم الأطباق الفكرية على مقاس القوى المسيطرة على العالم, حيث باتت التكنولوجيا الرقمية مقتصرة حول ما يريده الغرب و الشرق, و ليس كما نريده نحن و هنا يضيف الأستاذ العربي بوعمامة أن مكمن الخطر يأتي من وراء الشاشات, أين يجب توّخي الحذر من العالم الافتراضي الذي ينعكس سلبا على الواقع المعيش, فجّل الثورات و الانتفاضات الشارعية تفّجرت حسب المعني من العالم الافتراضي الذي بات يّبث عوامل التثبيط, من خلال حقن الشارع بعوامل الكراهية و العرقية و المذهبية و الطائفية, و هو ما ينذر بتحولات في الخارطة الشمولية للدول لإرساء نظام عالمي جديد على مقاس القوى التوسعية الإنبريالية كما يراد له.

بالمقابل أجاد و أفاد باقي الأساتذة في المناقشة حول محور عنوان اليوم الدراسي, من عيار الأستاذ الطيبي غوماري, و نوري إدريس و الجيلالي مستاري الذين كفوا ووفوا من خلال شروحاتهم الأكاديمية تنظيرا و تحذيرا من ما يخبؤه المندّسون و كذا قوى الشّر من مستقبل دامس في حالة عدم التدخل المباشر, لذا وجب الإنجرار وراء مناعة تنقذ بلادنا من نار قد تأكل الأخضر و اليابس, و لن يتأتى ذلك سوى بتشارك كل القوى بما فيها الأمنية و الأكاديمية و خصوصا طبقة الشباب و عموم الجماهير .

للتذكير فإن هذا اليوم الدراسي لم يكن ليتم لولا الجهود الفعّالة لإطارات نادي البيان من عيار السي ناصر عبد الحميد و جماعته الراقية, بالتعاون مع إطارات ولاية معسكر و كذا مديرية الثقافة, فكل الشكر موسوم لهؤلاء الذين أنجحوا مثل هكذا حدث علمي مائز.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram