ما قل ودل

قبل أيام قليلة عن تقاعده…طالبة جامعية تكرم أستاذها برسالة مؤثرة

البروفيسور عمار يزلي يستذكر سنوات التدريس و الصحافة

شارك المقال

أستاذ وأي استاذ. إنه الأستاذ القدير الدكتور عمار يزلي.. عالم في علم الاجتماع.. وزعيم الكتابة الاعلامية والإبداعية.. زعيم الكتابة الساحرة.. الجادّة والحادّة والساخرة.

إليكم نص الرسالة

إلى أستاذي الفاضل، البروفيسور عمار يزلي…تكريمٌ لا يفي به الكلام

في كل مرحلة من مراحل حياتنا، تمرّ بنا شخصيات تترك فينا أثراً، تصنع الفرق دون أن تُعلن عن نفسها، تضيء الطريق دون أن تطلب الشكر، وتزرع بذور الأمل والمعرفة دون أن تنتظر الحصاد. ومن بين هذه الشخصيات النادرة، التي لا تُنسى، كان لقائي بك يا أستاذي، البروفيسور عمار يزلي، خلال السنة الأولى من دراستي في الماستر، تخصص علم اجتماع الاتصال، في العام الجامعي 2024/2025.

منذ أول محاضرة خط فيها الأستاذ يزلي خطواته إلى القاعة، كان واضحاً لكل من حضر أنه لا يشبه سواه. دخل بتواضع العلماء، وبوقار الكبار، وبحب من يختار التعليم رسالة لا وظيفة. تحدث، فأصغينا. شرح، ففهمنا. بسّط، فاستوعبنا. وابتسم، فابتسمنا معه. كان حريصاً على أن نخرج من كل محاضرة بشيء جديد، ليس فقط من حيث المعرفة الأكاديمية، بل من حيث الفكر، ومن حيث الإدراك، ومن حيث القيم.

محاضراته كانت أكثر من مجرد دروس، كانت مساحات للتفكير، للحوار، للبحث، للاستفزاز العقلي الجميل. لم يكن يرضى بأن نكون متلقين فقط، بل كان يدفعنا لنكون مشاركين، فاعلين، باحثين. ووسط كل هذا، لم يكن يخلو صوته من نبرة الأب الذي يرعى أبناءه، ولا كلماته من لمسة الصديق الذي يُشعرك بالأمان، ولا حديثه من دعابة خفيفة ترسم البسمة على وجوهنا، حتى في الأيام المتعبة.

أذكر جيداً ذلك اليوم الذي حضرت فيه وحدي إلى المحاضرة، كنت الطالبة الوحيدة في القاعة، ظننت أنه سيعتذر أو يؤجل. لكنه لم يفعل. بل بدأ يشرح، وكأن القاعة ممتلئة. أعطى من جهده ووقته وكأنني دفعة كاملة. شعرت وقتها بقيمة الإنسان، بقيمة الطالب، وبقيمة المعلم الحقيقي الذي لا يقيس العطاء بعدد المقاعد المشغولة، بل بواجبه الأخلاقي والمهني. كان درساً أعظم من كل المقررات.

ولم يكن ذلك الموقف الوحيد. ففي موقف إنساني آخر، علمنا أن الأستاذ فقد أخته قبل موعد الامتحان بيوم واحد. كنا نظن، طبيعياً، أنه سيؤجل الامتحان، أو ربما سيغيب، لكنه جاء. جاء يحمل حزنه بصمت، ويُخفي وجعه بابتسامة صبورة. جلس أمامنا، وأجرى الامتحان كأن شيئاً لم يكن، احتراماً لنا، احتراماً للوقت، واحتراماً لمهنته. كانت تلك لحظة صمت في قلوبنا، لحظة خجل من عظمة رجل، لا يطلب شيئاً، ولا يُظهر شيئاً، لكنه يفعل الكثير.

وها نحن اليوم نعيش آخر سنة، آخر فصل، آخر امتحان يُجريه لنا أستاذنا العزيز. دفعتنا هي الأخيرة التي تحظى بشرف التعلّم على يديه. ويا لها من خسارة عظيمة للأجيال القادمة التي لن تنعم بمحاضراته، بروحه، بتفانيه. كنا نتمنى لو نستطيع تنظيم حفل تكريم يليق به، أن نقف جميعاً ونقول: شكراً، لأنك كنت لنا أكثر من أستاذ. لكننا نعلم، كلّنا، أن لا كلمات، ولا هدايا، ولا شهادات تقدير، تكفي لتُوفي هذا الإنسان ما يستحق.

أستاذي العزيز، عمار يزلي، قد تغادر مدرجات الجامعة، وقد تُطوى صفحة من صفحاتك المهنية، لكن ذكراك ستظل محفورة في عقولنا وقلوبنا. كل طالب تعلم على يديك، يحمل بداخله شيئاً منك. وكل فكرة أو مبدأ غرسته فينا، ستنتقل منّا إلى غيرنا، وتبقى صدقة جارية من العلم والعمل الصالح.

شكراً لأنك لم تكن مجرد أستاذ.

شكراً لأنك علّمتنا كيف يكون الإنسان إنساناً قبل أن يكون عالماً.

شكراً لأنك منحتنا من وقتك، من جهدك، من قلبك.

شكراً لأنك لم تبخل يوماً، ولم تتأخر، ولم تتردد.

وفي الختام، نقول لك: قد لا نملك وساماً نُعلقه على صدرك، ولا منصة نُكرمك عليها، لكننا نملك امتناناً لا ينتهي، وتقديراً لا يموت، ودعوات صادقة بظهر الغيب أن يبارك الله في علمك، وفي عمرك، وفي كل لحظة من حياتك.

دمت لنا فخراً، ودام عطاؤك، ودمت قدوةً في زمن قلّت فيه القدوات.

مع خالص المحبة والامتنان من طالبة لم ولن تنساك.

….

كتب الدكتور عمار يزلي وهو يشارك هذه الرسالة ما يلي:

شهادة أعتز بها

لأني سأتقاعد من الجامعه بداية من نهاية هذه السنة … كان لي آخر درس وآخر امتحان في مقياس السيميولوجيا للسنة اولى ماستر علم اجتماع الاتصال.. وهذا بعد مقياسين في السداسي الأول لنفس الدفعة مع مقياسينآخرين.. التغير الاجتماعي والإتصال ومقياس الجغرافيا اللغوية.

تحية للطلبة ولممثلة الطلبة الطالبة النجيبة المتفوقة سميرة نقادي التي غمرتني بكل عبارات الامتنان والشكر لست في مستواها.

أسأل الله أن يكون عملنا خالصا لوجه الكريم.

عمار يزلي

 

المصدر: منقول من صفحة الصحفي صالح سعودي

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram